وقيل :
يَنْعِقُ
بمعنى ينعق ، ذكر الفاعل على إرادة المفعول ؛ كقوله :
عِيشَةٍ راضِيَةٍ
[ الحاقة : 21 ] أي مرضية . فعلى ذلك الأولى ، وهو في اللغة جائز جار .
وقوله :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
.
سماهم بذلك وإن لم يكونوا في الحقيقة كذلك ؛ لما لم ينتفعوا بها ، إذ الحاجة من هذه الأشياء الانتفاع بها ؛ ولذلك سماهم سفهاء لما لم ينتفعوا بعلمهم وعقلهم .
قوله تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 172 إلى 173 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 ) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173 )
وقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
.
[ يتوجه وجهين :
أحدهما : الإذن في الأكل ما تستطيبه النفس وتتلذذ به ، ليكون أرضى وأشكر لله فيما أنعم عليه ، ويكون على إرادة الحلال بقوله :
طَيِّباتِ
، فيكون في الآية دليل كون المرزوق حلالا وحراما ، إذ قيل : « من ذا » ، ولم يقل : « كلوا ذا » ، ولو كان كل الرزق حلالا لكان يقول : « كلوا مما رزقناكم » . والله أعلم .
ثم حق المحنة التمكين مما يحرم ويحل ، ومما ترغب إليه النفس وتزهد . فجائز جميع ذلك كله في الملك وفي الرزق ليمكن لكم من الأمرين بالمحنة ، إذ ذلك حق المحنة .
والله الموفق .
وقوله :
كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
] « 1 » يدل على أن الذي كان لهم الأكل وأمرهم بالتناول منه هو الحلال « 2 » .
ثم فيه الدليل على أن من الرزق ما هو طيب حلال ، وما هو خبيث حرام ؛ إذ لو لم يكن منه طيب وخبيث لكان لا يشترط فيه ذكر الطيب ، بل يقول : « كلوا مما رزقناكم » .
فإن قيل : فما وجه الحكمة في الامتحان بجعل الخبيث رزقا لهم ؟
قيل : هذا أصل المحنة في كل شئ ، يجعل لهم الغذاء ؛ فلا يأمرهم بالامتناع عنه ، ويجعل لهم قضاء الشهوة في المحرم ويأمرهم بالكف . وهو الظاهر من المحن .
وقوله :
وَاشْكُرُوا لِلَّهِ
.
هامش
( 1 ) ما بين المعقوفين سقط في أ .
( 2 ) في ط : الحال .