وقوله :
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها
.
هذا - والله أعلم - وعد كان وعده عزّ وجل لنبيه صلى اللّه عليه وسلم أنه يحوله إلى الكعبة من بيت المقدس ، وإخبار عما يقول له اليهود قبل أن يحول وقبل أن يقولوا له شيئا .
ألا ترى إلى قوله :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ
[ البقرة : 144 ] ، أنه لو لم يكن فيها وعد بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة لكان تقلب وجهه إلى السماء بذلك تخييرا منه وتحكما عليه .
وليس لأحد على الله التخيير والتحكم عليه في الأحكام والشرائع ولا في غيرها ، فدل أنه على الوعد له ما فعل . والله أعلم .
ثم فيه إثبات رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم حيث كان أخبره على ما أخبر من التحويل إلى الكعبة .
[ والقول منهم نقل أنه علم ذلك بالله واختلف في قوله
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ
قيل : هو اليهود ، وقالوا ذلك عند تحويل القبلة إلى الكعبة ] « 1 »
وذلك أنهم لا يرون نسخ الشرائع والأحكام ؛ لأنه كالبداء والرجوع عنها .
وذلك فعل من يجهل عواقب الأمور ، كبان بنى بناء ثم نقضه لجهل منه به .
لكن ذلك منهم جهل بمعرفة النسخ وقدره .
ولو عرفوا ما النسخ ما نفوا نسخ الشرائع والأحكام .
وأما النسخ عندنا : فهو بيان منتهى الحكم إلى وقت ليس فيه بداء ولا نقض لما مضى ، بل تجديد حكم في وقت بعد انقضاء حكم على بقاء الأول لوقت كونه ، ليس على ما فهمت اليهود من البداء والنقض لما مضى كالبناء الذي وصفوا . وبالله التوفيق .
وإن كانت الآية في غير اليهود من أهل مكة ، على ما يقول بعض أهل التفسير ، فقالوا :
لما رجع محمد إلى قبلتنا من القبلة الأولى يرجع إلى ديننا . فقال الله عزّ وجل :
قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
.
قل يا محمد : لله المشرق والمغرب والأمكنة كلها والنواحي ، يأمر بالتوجه إلى أي ناحية شاء شرقا وغربا ، فالطاعة له في الائتمار لأمره ، والقبول لدعائه ، لا للتوجه نحو الشرق أو نحو الغرب لهوى هووا ولتمنّ تمنوا ؛ لأن اليهود جعلوا قبلتهم المغرب اتباعا لهواهم ، لا اتباعا لأمر أمروا به .
وكذلك النصارى اتخذوا المشرق قبلة لهوى أنفسهم ؛ فأخبر الله تعالى المؤمنين أنهم يأتمرون بالله حيث ما أمروا توجهوا نحوه .
هامش
( 1 ) ما بين المعقوفين سقط في ط .