تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
طفق يمسح مسحا ؛ أي يضرب ضربا ) . وقال الفرّاء : ( المسح ههنا القطع ) « 1 » . والمعنى : أنه ضرب سوقها وأعناقها ؛ لأنّها كانت سبب فوت صلاته ، وقال عند ذلك : حتى لا تشغلني عن عبادة ربي مرّة أخرى . والسّوق جمع ساق . قوله تعالى :
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ ؛
اختلفوا في سبب فتنة سليمان ، قال بعضهم : سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صدوق ، بها ملك عظيم الشّأن ، فخرج سليمان إلى تلك المدينة تحمله الرّيح حتى نزل بها بجنوده من الجنّ والانس ، فقتل ملكها وسبا ما فيها ، وأصاب فيما أصاب بنتا لذلك الملك يقال « لها » جرادة ، لم ير مثلها حسنا وجمالا . فدعاها سليمان إلى الاسلام فأسلمت على قلّة نيّة منها ، ولم يعلم سليمان ما في قلبها ، فتزوّجها وأحبّها محبة شديدة لم يحبّ أحدا من نسائه ، فكانت عنده لا يذهب حزنها ولا يرقى دمعها ، فشقّ ذلك على سليمان ، وقال لها : ويحك ! ما هذا الحزن الذي لا يذهب ؟ قالت : إنّي أذكر أبي أذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه ، فيحزنني ذلك . قال سليمان : قد أبدلك اللّه به ملكا هو أعظم من ملكه ، وسلطانا خيرا من سلطانه ، وهداك للإسلام ، وهو خير من ذلك كلّه . قالت : هو كذلك ؛ ولكن إذا ذكرت أبي أصابني ما ترى من الحزن ، فلو أمرت الشّياطين فصوّروا صورته في داري التي أنا فيها أراها بكرة وعشيّا لرجوت أن يذهب ذلك حزني ، ويسلّي عني بعض ما أجد . فأمر سليمان الجنّ فمثّلوا لها صورة أبيها في دارها كأنّه هو ، إلّا أنه لا روح فيه ، فعمدت إليه حين صنعوه فآزرته وقمّصته وعمّمته وردته بمثل ثيابه التي كان يلبسها . وكان إذا خرج سليمان من دارها تغدو عليه في ولائدها حتى تسجد له ويسجدن هنّ له ، وكذلك كانت تعمل بالعشيّ وسليمان عليه السّلام لا يعلم شيئا من ذلك ، فكانت على ذلك أربعين صباحا ، وبلغ ذلك آصف بن برخيا وكان صدّيقا ، فقال لسليمان عليه السّلام : إنّ غير اللّه يعبد في دارك منذ أربعين صباحا في هوى امرأة ، قال : في داري ؟ ! قال : في دارك ، قال : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون .
هامش
( 1 ) ينظر : معاني القرآن للفراء : ج 2 ص 405 .