تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
فانقضّ إبليس سريعا فوجد أيوب ساجدا ، فأتاه من قبل الأرض في وجهه ، فنفخ في منخريه نفخة اشتعل منها جسده ، فذهل وخرج به من قرنه إلى قدمه مثل ثآئيل « 1 » ووقعت عليه حكّة لا يملكها ، فحكّ بأظفار حتى سقطت كلّها ، ثم حكّها بالفخّار والحجارة ، فلم يزل يحكّها حتى نزل لحمه وتقطّع وتغيّر وانتنّ ، فأخرجه أهل القرية ، وجعلوه على كناسة ، واعتزله جميع الناس إلّا امرأته ( رحمة بنت إفرائيم بن يوسف بن يعقوب ) فإنّها كانت تتخلّف إليه بما يصلحه ويلزمه . فلما طال عليه البلاء ، وتمادى عليه الضّرّ ، ورفضه جميع الناس حتى أهل دينه تركوه ولم يتركوا دينه ، فأقبل على الدّعاء متضرّعا ، وقال : إلهي ؛ لأيّ شيء خلقتني ؟ ليتك لم تخلقني ، بل ليتني كنت حيضة ألقتني أمّي ، فلو كنت أمتّني كان أجمل بي ، إلهي أنا عبد ذليل ، إن أحسنت إليّ فالمنّ لك ، وإن عاقبتني فبيدك عقوبتي ، جعلتني للبلاء غرضا وللفتنة نصبا ، وقد وقع بي بلاء لو سلّطته على جبل أضعف عن حمله ، فكيف يحمله ضعفي ؟ إلهي تقطّعت أصابعي فإنّي لا أقدر أحمل اللقمة بيدي ، إلهي تساقطت لهواتي ولحم رأسي ، وما يراد بي ، وسال دماغي من فمي ، وتساقط شعر عيني ، وكأنّما أحرق وجهي ، فحدقتاي متدلّيتان على وجهي ، وورم لساني حتى ملأ فمي فما أدخل فيه طعامي إلّا غصّها ، وورمت شفتاي حتى غطّت العليا أنفي ، وغطّت السّفلى ذقني ، وتقطّعت أمعائي في بطني . إلهي ذهبت قوّة رجلاي حتى لا أطيق حملها ، وذهب المال حتى صرت أسأل اللقمة من كنت أعوله فيمنّها عليّ ويعيّرني . إلهي هلك أولادي ولم تبق منهم واحدا لإعانتي ونفعني ، إلهي قد ملّني أهلي وعفّني أرحامي وأنكرني معارفي ، وأعرض عني صديقي وهجرني أصحابي ، وجحدت حقوقي ونسيت صنائعي . أصرخ فلا أحد يصرخني ، وأعتذر فلا أحد يعذرني ، وأدعو فلا أحد يجيب . إن فضلك هو الذي أذلّني وأعماني ، وسلطانك هو الذي أسقمني
هامش
( 1 ) الثآليل جمع ، واحدها : الثّؤلول . ينظر : مختار الصحاح : ص 81 . وفي الكشف والبيان : ج 6 ص 290 نقله الثعلبي قال : ( ثآليل مثل أليات الغنم ) .
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 303 | الطبراني