تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
كما يقال : خرجت نفس فلان ؛ أي روحه . وتذكر ويراد بها ما في القلب ، كما يقال : أضمر فلان ما في نفسه كذا وكذا . فإذا احتمل اللفظ هذه الوجوه كلّها وجب حمل الآية على أصحّ الوجوه ؛ لقيام الدّلالة على وجوب تنزيه صفات اللّه تعالى عما لا يجوز . ولو كانت النفس لا تستعمل إلّا في أمر كائن في غيره لوجب في قوله تعالى :
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها
« 1 » أن يقال : إن النفس نفسا ، فإذا بطل ذلك صحّ أن المراد به الجملة والذات ، كأنه قال : يوم يأتي كلّ أحد يجادل عن نفسه ، فكان المراد بقوله :
( وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ )
جملة الأمر ، وحقيقة ما عند اللّه تعالى . فإن قيل : ليس في النّصارى من اتخذ مريم إلها فما معنى هذا القول ؟ قيل : إن لم يكن فيهم من يقول هذا القول اليوم ، فلا بدّ أن يكون فيهم من قال ذلك ؛ لأن هذه الآية تدلّ على أنّهم قد قالوا ذلك ، وتصديق لكتاب اللّه تعالى أوجب من التصديق لنقل ناقل . قوله عزّ وجلّ :
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ ؛
أي ما قلت لهم شيئا إلّا القول الذي أمرتني به ،
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ؛
أي وحّدوه وأطيعوه ،
وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ؛
معناه : فلمّا قبضتني إليك من بينهم ، ورفعتني إلى السّماء كنت أنت الحفيظ عليهم ،
وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
( 117 ) ؛ من مقالتي ومقالتهم ، مطّلع عالم مشاهد . وذهب بعض المفسرين إلى أن معنى قوله :
( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي )
أمتّني ، وقالوا : إنّ عيسى ليس بحيّ في السّماء . إلّا أنّ القول الأول أشهر ، ويحتمل أنّ اللّه تعالى أماته ، ثم أحياه ورفعه إلى السّماء . وقال الحسن : ( الوفاة في كتاب اللّه تعالى على ثلاثة أوجه : وفاة الموت كقوله تعالى
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
« 2 » ، ووفاة النّوم كقوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي
هامش
( 1 ) النحل / 111 . ( 2 ) الزمر / 42 .