تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
قوله عزّ وجلّ :
وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ؛
أي قد نزّل عليكم في القرآن سورة الأنعام بمكّة أن إذا سمعتم آيات اللّه يجحد بها ، ويسخر منها فلا تجلسوا معهم حتّى يكون خوضهم في حديث غير القرآن ، وأراد بذلك المذكور في الأنعام قوله تعالى :
وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ
« 1 » . قوله تعالى :
إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ؛
أي من جالسهم راضيا بما هم عليه من الكفر والاستهزاء بآيات اللّه فهو مثلهم في الكفر ؛ لأن الرّضا بالكفر والاستهزاء كفر ، ومن جلس معهم ساخطا لذلك منهم لم يكفر ، ولكنه يكون عاصيا بالقعود معهم ؛ فيكون معنى قوله تعالى :
( إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ )
أي في أصل العصيان وإن لم تبلغ معصية المؤمنين معصية الكفّار ، إذا لم يكن جلوس المؤمنين معهم لإقامة فرض أو سنّة ، أما إذا كان جلوسه هنالك لإقامة عبادة وهو ساخط لتلك الحال لا يقدر على تغييرها ، فلا بأس بالجلوس . كما روي عن الحسن : ( أنّه حضر هو وابن سيرين جنازة وهناك نوح « 2 » ؛ فانصرف ابن سيرين ؛ فذكر ذلك للحسن فقال : إنّا كنّا متى رأينا باطلا تركنا حقّا ؛ أشرع ذلك في ديننا ! ) . قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً
( 140 ) ؛ أي يجمعهم في جهنّم مجازاة لهم لاجتماعهم في الدّنيا للاستهزاء ، فمن شاء لا يكون معهم في جهنّم فلا يكون معهم في الدّنيا .
هامش
( 1 ) الأنعام / 68 . ( 2 ) نوح بن أبي مريم ، واسمه ماقبة ، ويعرف بنوح الجامع ، كان أبوه مجوسيا ، وإنما سمي الجامع ؛ لأنه أخذ الفقه عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى ، والحديث عن أرطأة وطبقته ، والمغازي عن ابن إسحاق ، والتفسير عن الكلبي ومقاتل ، وكان مع ذلك عالما بأمور الدنيا ، فسمي الجامع . وأدرك الزهري وابن المنكدر ، وكان يدلس عنهما ، واستقضى على مرو وأبو حنيفة حيّ . نقل ابن حجر في ترجمته ( 7490 ) قال : إنه لم يوثقه أحد . وفي الكامل في ضعفاء الرجال : ج 8 ص 292 : الترجمة ( 22 / 1975 ) ؛ قال ابن عدي : « سئل ابن المبارك عن نوح بن أبي مريم فقال : هو يقول : لا إله إلا اللّه » .