تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
التي وعده بإيمانه ؛ لأنّ اللّه تعالى لا يخلف الميعاد ، وترك المجازاة بالوعيد يكون منه تفضّلا ، وترك المجازاة بالوعد يكون خلفا ، تعالى اللّه عن الخلف علوّا كبيرا . والدليل على أنّ المؤمن لا يصير بقتله المؤمن كافرا ، ولا خارجا عن الإيمان قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ
ولا يكون القصاص إلّا في قتل العمد ، فبينما هم مؤمنين وآخى بينهم بقوله
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ
« 1 » ولم يرد به إلّا الأخوّة في الإيمان ، والكافر لا يكون أخا للمؤمن ، ثم قال :
ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ
ولا يجعل ذلك للكافر ، ثم أوجب على المعتدي بعد ذلك عذابا أليما لقوله تعالى :
فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ
ولم يوقع الغضب ولا التخليد في النار ولا يسمّي هذا العذاب نارا ، والعذاب قد يكون نارا ، وقد يكون غيرها في الدّنيا ، قال اللّه تعالى :
يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
« 2 » يعني القتل والأسر ، ولو كان القتل يخرجهم من الإيمان لما خاطبهم بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ،
وقال تعالى :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
« 3 » الآية واقتتالهم على وجه العمد . وروي : أنّ مؤمنا قتل مؤمنا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلم يأمر القاتل بالإيمان ، ولو كان كافرا لأمره أوّلا بالإيمان ، وقال لطالب الدّم : [ أتعفو ؟ ] قال : لا ، قال : [ أتأخذ الدّيّة ؟ ] قال : لا ، فأمر بقتله ، ثمّ أعاد عليه مرّتين أو ثلاثا حتّى قبل الدّيّة « 4 » ، ولم يحكم عليه بالكفر ، فلو كان ذلك كفرا لبيّنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأن ذلك كان ردّة تحرم بها زوجته عليه ، ولم يجز على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الإغفال عنه ؛ لأنّه النّاصح الشّفيق المنعوت بالتّأديب والتعليم .
هامش
( 1 ) البقرة / 178 . ( 2 ) التوبة / 14 . ( 3 ) الحجرات / 9 . ( 4 ) أخرجه أبو داود في السنن : كتاب الديات : باب الإمام يأمر بالعفو : الحديث ( 4499 ) عن وائل ابن حجر . والنسائي في السنن الصغرى : كتاب القسامة : باب ذكر اختلاف الناقلين بخبر علقمة ابن وائل فيه : ج 8 ص 14 .