وفي الآية ضروب من الأحكام : منها قوله تعالى :
( قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ )
يدلّ على جواز خلط الوصي ماله بمال اليتيم في مقدار ما يغلب على ظنه أن اليتيم يأكل قدر طعام نفسه بغالب الظن . ويدلّ على جواز التصرف في ماله بالبيع والشراء ؛ وجواز دفعه مضاربة إذا كان ذلك صلاحا . ويدلّ على أن لوليّ اليتيم أن يعاقد نفسه في ماله إذا كان فيه خير ظاهر لليتيم على ما قاله أبو حنيفة رحمه اللّه . ويدلّ على أنّ للوصيّ أيضا أن يؤجّر اليتيم ممن يعلمه الصناعات والتجارات ، أو يستأجر من يعلّمه ما له فيه صلاح من أمر الدين والأدب ؛ لأن كلّ ذلك من الصلاح .
وقوله تعالى :
( وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ )
فيه دليل على أن للولي أن يزوّج اليتيم ابنته ، أو يزوّج اليتيمة ابنه ، أو يتزوج اليتيمة لنفسه ، فيكون قد خلط اليتيم بنفسه وعياله واختلط أيضا به . يقال : فلان خليط فلان ؛ إذا كان شريكا له في المال .
ويقال : قد اختلط فلان بفلان ؛ إذا صاهره . ولا يكون التزويج إلا للولي الذي يكون ذا نسب من اليتيم ؛ لأن الوصاية لا تستحقّ بها الولاية في النكاح .
قوله تعالى :
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ؛
قال عبد اللّه بن عباس : ( نزلت هذه الآية في مرثد بن أبي مرثد الغنويّ وكان شجاعا فورا ، بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى مكّة ليخرج منها ناسا من المسلمين سرّا ؛ فلمّا قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها : عناق ، وكانت خليلته في الجاهليّة ؛ فأتته وقالت له : يا مرثد ، ألا تخلو بي ؟ فقال : ويحك يا عناق ! إنّ الإسلام قد حال بيننا وبين ذلك . فقالت : هل لك أن تتزوّج بي ، فقال : نعم ، لكن أرجع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأستأمره ثمّ أتزوّجك .
فقالت : أنت تتبرّم ، ثمّ استعانت عليه فضربوه ضربا شديدا ثمّ خلّوا سبيله . فلمّا رجع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أعلمه بما كان من أمره وأمر عناق وما لقي بسببها ، فقال : يا رسول اللّه ، أيحلّ لي أن أتزوّجها ؟ فأنزل اللّه هذه الآية ) « 1 » . ومعناها : ولا تتزوجوا المشركات حتى يصدّقن بتوحيد اللّه .
هامش
( 1 ) نقله علي بن أحمد الواحدي في أسباب النزول عن تفسير الكلبي : ص 45 .