تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
القيام ) . وقيل : مصلّون ؛ دليله :
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ
« 1 » . وقيل : داعون ، ويسمّى دعاء الوتر : قنوت ، الآية « 2 » يدعو قائما . قوله عزّ وجلّ :
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ؛
أي مبتدعهما ومنشؤهما على غير مثال يسبق ،
وَإِذا قَضى أَمْراً ؛
أي إذا أراد شيئا ،
فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( 117 ) ، وهذه الآية والتي قبلها جواب عن قول جماعة من النصارى ناظروا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في أمر عيسى عليه السّلام . قال لهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : [ هو عبد اللّه ورسوله ] قالوا : هل رأيت من خلق بغير أب ؟ فأنزل اللّه هذه الآية وما قبلها جوابا لهم « 3 » . ومعناها : إنّ اللّه مبتدع السماوات والأرض وخالقهما ، وإذا أراد أمرا مثل عيسى بغير أب أو غير ذلك ، فإنّما يقول له : كن ، فيكون كما أراده . والإبداع : إيجاد الأشياء على غير مثال سبق ؛ والبديع فعيل بمعنى مفعّل ، والبديع أشدّ مبالغة من المبدع . قوله تعالى :
( فَيَكُونُ )
من رفعه ؛ فمعناه : فهو يكون . ومن نصبه ؛ فعلى جواب الأمر بالفاء . فإن قيل : قوله
( كُنْ )
خطاب للموجود أو للمعدوم ، ولا يجوز الأول ؛ لأنّ الشيء الكائن لا يؤمر بالكون ، والثاني لا يجوز أيضا ؛ لأنّ المعدوم لا يخاطب ؟ قيل : إنّما قال ذلك على سبيل المثل ، لأن الأشياء لسهولتها عليه وسرعة كونها بأمره بمنزلة ما يقول له كن فيكون . وهذا مثل قوله :
ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً
« 4 » لم يرد بهذا أن السماء والأرض كانتا في موضع فقال لهما : ائتيا ، فجاءا من ذلك الموضع ، ولكن أراد به تكوينهما ، فعلى هذا معنى
( كُنْ فَيَكُونُ )
أي يريده فيحدث . قوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ ؛
أراد بالذين لا يعلمون يهود المدينة وغيرهم من الكفار ، وقيل : النصارى . وقيل : مشركو العرب ؛
هامش
( 1 ) الزمر / 9 . ( 2 ) لعله أراد قوله عزّ وجلّ :أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً[ الزمر / 9 ] . ( 3 ) من حديث جعفر بن أبي طالب رضي اللّه عنه في مناظرة النجاشي له في الحبشة . أخرجه الإمام أحمد في المسند : ج 1 ص 203 . وفي مجمع الزوائد : ج 6 ص 27 ؛ قال الهيثمي : « رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح » . ( 4 ) فصلت / 11 .