تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويل مشكل القرآن — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
وإذا دخل الشهر الحرام تقسّمتهم الرّحل ، وتوزّعتهم النّخع ، وانبسطوا في متاجرهم ، وأمنوا على أموالهم وأنفسهم . وإذا أهدى الرجل منهم هديا ، أو قلّد بعيره من لحاء شجر الحرم - أمن كيف تصرّف وحيث سلك . ولو ترك الناس على جاهليتهم وتغاورهم في كل موضع وكل شهر - لفسدت الأرض ، وفني الناس ، وتقطّعت السّبل ، وبطلت المتاجر . ففعل اللّه ذلك لعلمه بما فيه من صلاح شؤونهم ، وليعلموا كما علم ما فيه من الخير لهم - أنه يعلم أيضا ما في السّماوات وما في الأرض من مصالح العباد ومرافقهم ، وأنه بكل شيء عليم . وقولهم : وأين قوله :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ
من قوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
[ لقمان : 31 ] . ولم يرد اللّه في هذا الموضع معنى الصبر والشكر خاصة ، وإنما أراد : إن في ذلك لآيات لكل مؤمن . والصبر والشكر أفضل ما في المؤمن من خلال الخير ، فذكره اللّه عزّ وجل في هذا الموضع بأفضل صفاته . وقال في موضع آخر :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ( 77 )
[ الحجر : 77 ] . وفي موضع آخر :
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
[ النحل : 69 ] و
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
[ النحل : 67 ] و
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
[ الرعد : 19 ] يعني المؤمنين . ومثله قوله تعالى في قصة سبإ :
وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
[ سبأ : 19 ] . وهذا كما تقول : أن في ذلك لآية لكل موحّد مصلّ ، ولكلّ فاصل تقيّ . وإنما تريد المسلمين . وقوله :
كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ
[ الحديد : 20 ] فإنما يريد بالكفار هاهنا : الزّرّاع ، واحدهم كافر . وإنما سمّي كافرا لأنه إذا ألقى البذر في الأرض كفره ، أي غطّاه ، وكل شيء ، غطّيته فقد كفرته ، ومنه قيل : تكفّر فلان في السّلاح : إذا تغطّى . ومنه قيل للّيل كافر ، لأنه يستر بظلمته كل شيء . ومنه قول الشاعر « 1 » :
يعلو طريقة متنها متواترا * في ليلة كفر النّجوم غمامها
هامش
( 1 ) يروى صدر البيت بلفظ : يعلو طريقة متنها متواتر والبيت من الكامل ، وهو للبيد في ديوانه ص 309 ، وجمهرة اللغة ص 787 ، وكتاب الجيم 3 / 168 ، وبلا نسبة في المخصص 12 / 238 .
تأويل مشكل القرآن — صفحة 52 | ابن قتيبة الدينوري / إبراهيم شمس الدين