تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويل مشكل القرآن — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
وأراد : أنّ الهرم يخرف ويهتز وينقص خلقه ، ويضعف بصره وسمعه ، وتقلّ حيلته ، ويعجز عن عمل الصالحات ، فيكون أسفل من هؤلاء جميعا .
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[ الشعراء : 227 ] في وقت القوّة والقدرة ، فإنّهم في حال الكبر غير منقوصين ، لأنّا نعلم أنا لو لم نسلبهم القدرة والقوّة لم يكونوا ينقطعون عن عمل الصّالحات ، فنحن نجري لهم أجر ذلك ولا نمنّه ، أي لا نقطعه ولا ننقصه . وهو معنى قول المفسرين . ومثله قوله سبحانه :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 )
[ العصر : 2 ] ، والخسر : النقصان
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ( 3 )
[ العصر : 3 ] فإنهم غير منقوصين . ونحوه قول رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم : « يقول اللّه للكرام الكاتبين : إذا مرض عبدي فاكتبوا له ما كان يعمل في صحته ، حتى أعاقبه أو أقبضه » « 1 » . ثم قال :
فَما يُكَذِّبُكَ
أيها الإنسان
بِالدِّينِ ؟
أي : بمجازاتي إيّاك بعملك وأنا أحكم الحاكمين ؟

في سورة والشمس وضحاها

قوله سبحانه :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ( 10 )
[ الشمس : 7 ، 10 ] . أقسم بالنفس وخلقه لها ثم قال :
فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
، أي : فهّمها أعمال البر وأعمال الفجور ، حتى عرف ذلك الجاهل والعاقل ، ثم قال :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها
يريد أفلح من زكى نفسه ، أي : أنماها وأعلاها بالطاعة والبرّ والصّدقة واصطناع المعروف . وأصل التزكية : الزّيادة ، ومنه يقال : زكا الزرع يزكوا : إذا كثر ريعه ، وزكت النّفقة : إذا بورك فيها ، ومنه زكاة الرّجل عن ماله ، لأنها تثمّر ماله وتنمّيه . وتزكية القاضي للشّاهد منه ، لأنه يرفعه بالتّعديل والذّكر الجميل .
وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
، أي : نقصها وأخفاها بترك عمل البرّ ، وبركوب المعاصي . والفاجر أبدا خفيّ المكان ، زمر المروءة ، غامض الشّخص ، ناكس الرأس .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 3 / 231 ، والسيوطي في الدر المنثور 6 / 104 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 6671 .