الحقّ أغلق كفيه بما يليه من اللذّات لذات الزور ، فتركها « 1 » في دنياه عن كره ، وما تركها إلّا ليستأجل أضعافها ، وإنّما يعبد اللَّه / 160 / ويطيعه لينجو له في الآخرة شبعه منها فيبعثَ إلى مطعم شهيّ ومشرب هنيء ومنكح بهيّ إذا بعثر عنه ، فلا مطمح لبصره في أولاه واخراه إلّا إلى لذّات قبقبه وذبذبه « 2 » ، والمستبصر بهداية القدس في شجون واجب الإيثار قد عرف اللذّة الحقّ ، وولي وجهه سمتها مترحماً على هذا المأخوذ من رشده إلى ضدّه وإن كان ما يتوخّاه بكدِّه « 3 » مبذولًا له بحسب وعده « 4 » .
الغرض الثاني [ في بيان سلوك العارفين من أوله إلى آخره ]
قال صاحب حلية الأرواح :
أوّل ما يظهر للإنسان عند العقل هو الشعور ، ومنه ينبعث الشوق والإرادة ، ثمّ يحدث الحركة ، فالسالك لابدّ له من الشعور بكمالٍ وكاملٍ مطلق يمكن له أن ينال منه شيئاً إمّا بالعقد الإيماني مع السكون والطمأنينة في النفس ، وإمّا باليقين البرهاني على سبيل الاستبصار ، فإذا اطمأنّ بأحدهما انبعث من باطنه شوق ورغبة في اعتلاق العروة الوثقى وهو الإرادة ، ثمّ يتحرّك بعده إلى جناب القدس لنيل الروح والانس ، وحينئذٍ يحتاج إلى إزالة الموانع وتحصيل الشرائط ، وذلك لا يكون إلّابالرياضة ، والرّياضة مشروطة بأمور ومتضمّنة لُاصول .
أمّا الشرائط فعزيمة جازمةٌ لا ينقض ولو في جزئي مّا ممّا عزم عليه لئلّا يتشوّش الوقت ويتفرّق الوجه ، وصدقٌ في المواطن كلّها قولًا وفعلًا وفكراً لئلّا يفسد المنامات والإلهامات بملكة الكذب ، وتوبة نصوح عمّا يشغل سرّه عن الحقّ لئلّا يجذبه التفات الخاطر إلى الباطل عن جناب الحقّ ، وإنابة إسلامه إلى اللَّه بحيث لا يمكن له أن يقبل إلى ما عداه بباطنه في شيء أصلًا ، وأصل الباب فيها الإخلاص التامّ وهو تخليص العمل للَّهبحيث لا يشرك به أحداً ولو بطرفة عين ، ولا يرى ظاهراً ولا باطناً ولو بخاطر ؛ إذ الخطرة في العقل لغير اللَّه - ولو لم يفعل - شرك خفيٌّ ؛ كما أخبر به صلى الله عليه وآله : دبيب الشرك في امّتي أخفى من دبيب / 161 / النملة السوداء في ليلة الظلماء على الصخرة الصمّاء .
هامش
( 1 ) . الف : فتركه .
( 2 ) . الف وب : قبقبته وذبذبة .
( 3 ) . ب : بلذه .
( 4 ) . شرح الإشارات والتنبيهات ، ج 3 ، ص 377 .