الجنادل في الثرى ، وخلت منهم المنازل والقرى ، قد صارت عابسة بعد نظرتها والعظام نخرة بعد قوتها ، تجر عليهم الرياح بذيولها ، وتصب عليهم السماء بسيولها .
ثم إنه بكى وجعل يقول :
تناديك اجداث وهن صموت * وأربابها تحت التراب خفوت
فيا جامع الدنيا حريصا لغيره * لمن تجمع الدنيا وأنت تموت
قال الفضيل : وإذا بهاتف يسمع كلامه ولا يرى شخصه ، وهو يقول :
ملوا الأحبة زورتى فجفيت * فسكنت في دار البلاء ونسيت
وكذلك ينسى كل من سكن الثرى * وتمل الزوار حين يموت
قال الفضيل : فوقع بهلول مغشيا عليه ، فتركت وانصرفت .
وحكى عن الفضل بن الربيع قال حججت مع هارون الرشيد ، فلما صرنا بالكوفة وكنا في طاق المحامل ، إذا نحن ببهلول المجنون قاعد يلعب بالتراب ، فابتدر اليه الخدم فتردوه فأسرعت اليه وقلت هذا أمير المؤمنين قد أقبل .
فلما حاذاه الهودج قام قائما وقال : يا أمير المؤمنين حدثني أيمن بن نابل ، قال : حدثني قدامة بن عبد اللّه قال : رايت النبي صلّى اللّه عليه واله بمنى على جمل أحمر تحته رجل رثّ ولم يكن ضرب ولا طرد .
فقلت : يا أمير المؤمنين انه بهلول المجنون قاعد يلعب بالتراب ، قال : قد عرفت ، قال قل وأوجز ؟ ! فقال :
هب انك قد ملكت الأرض طرا * ودان لك العباد فكان ماذا
ألست تصير في قبر وتحثو * عليك ترابه هذا وهذا
فقال : أجدت ، قل وأوجز ! ، قال : يا أمير المؤمنين من رزقه اللّه مالا وجمالا فعف في جماله وواسى من ماله ، كتب عند اللّه في ديوان الأبرار .
فظن هارون أن عليه دينا ، فقال : قد أمرنا ان يقضى عليك دينك ، قال :
لا تفعل يا أمير المؤمنين لا يقضى دين بدين أردد الحق إلى أهله ، فجميع ما يديك