ويفسّر الشّيخ أبو زهرة ، في كتابه القيّم عن أبي حنيفة ، هذه العبارة بأنّ أبا حنيفة كان يرى أنّ الاختيار العامّ للخليفة يجب أن يكون سابقا على تولية سلطته ، أي أنّ الخلافة لا تتم إلّا باختيار سابق من المؤمنين ، وبيعة كاملة ، فالخلافة عنده ليست بوصاية ، ولا يكون خليفة من يفرض نفسه على المسلمين ، وإن خضعوا بعد ذلك أو ارتضوه ، إنما الخلافة باختيار حرّ سابق على تولي الحكم « 1 » .
روى الإصفهاني كثيرا من الرّوايات حول تأيّيد أبي حنيفة لمحمّد النّفس الزّكيّة وأخيه إبراهيم خلال ثورتهما على الدّولة العبّاسيّة في عهد المنصور .
ولكن الإصفهاني لم يذكر صراحة اعتناق أبي حنيفة مذهب الشّيعة . من هذه الرّوايات : « كان أبو حنيفة يجهر في أمر إبراهيم جهرا شديدا ، ويفتي النّاس بالخروج معه » « 2 » . وقد كتب أبو حنيفة إلى إبراهيم ينصحه بقصد الكوفة .
فقال : « أئتها سرّا فإنّ من هاهنا من شيعتكم يبيتون « 3 » أبا جعفر - المنصور - فيقتلونه ، أو يأخذون برقبته فيأتونك به » « 4 » .
فسّر المرحوم الأستاذ أحمد أمين أبي حنيفة من كلّ من العبّاسيّين والعلويّين ، فقال : استدل المنصور من إباء أبي حنيفة تولي القضاء « 5 » على صحة ما اتّهم به
هامش
الخليفة المنصور ليسألهم عن آرائهم في خلافته .
انظر ، أخبار أبي حنيفة وأصحابه ، للقاضي أبي عبد اللّه حسين بن عليّ الصّيمري : 1 / 69 ، دار النّشر ، عالم الكتب بيروت ( 1405 ه ) ، الطّبعة الثّانيّة .
( 1 ) انظر ، أبو زهرة ، أبو حنيفة : 165 .
( 2 ) انظر ، الإصفهاني ، مقاتل الطّالبيّين : 361 .
( 3 ) انظر ، يبيتونه : أي يهاجمونه ليلا .
( 4 ) انظر ، الإصفهاني ، مقاتل الطّالبيّين : 366 ، الحصري ، زهر الآداب : 2 / 710 .
( 5 ) استدعى المنصور أبا حنيفة من الكوفة إلى بغداد وطلب منه أن يلي القضاء ، فرفض فاقسم المنصور -