اختفى محمّد النّفس الزّكيّة عن أنظار المنصور عدّة سنوات ، وحاول المنصور الوقوف على مكان إختفائه . وسلك في سبيل ذلك كلّ المسالك ، فبذل الوعود والمهود ، وجرّب الوعيد والتّهديد ، وغير الولاة والعمّال ورحل إلى الحجاز عدّة مرّات ، وقبض على عبد اللّه بن الحسن وآله ، واضطهدهم وعذّبهم فلم يجد ذلك فتيلا ، وكان المنصور يعلم أنه كلّما طالت مدّة إختفاء محمّد زاد قوّة ، وزادت دعوته انتشارا . ولذا رأى المنصور أنّ من مصالحه أن يعجّل بظهور محمّد وبإعلان ثورته قبل أن تنفج وتأتي أكلّها كما أراد المنصور أن يشعر محمّد قوّته واتّساع نفوذه حتّى يظهر على الملأ ، فيمكن للمنصور مواجهته والقضاء على حركته وهي لا تزال في المهد وفي أوّل الطّريق .
وتحقيقا لهذه السّياسة ، اتّخذ المنصور الدّهاء والحيلة سبيلا ، فكان المنصور يزيّف كتبا يزعم أنّها واردة من قواده وأنصاره ، وقد كتبوها إلى محمّد النّفس الزّكيّة يدعونه فيها للظهور ، وأنّهم ينبذون طاعة المنصور ويعدون محمّدا بالولاء والطّاعة إن هو أعلن ثورتة « 1 » ممّا جعل محمّدا يظنّ أنّه إن أظهر أمره سارع قواد المنصور ورجاله بالإنضمام إليه .
فروى الطّبري : كان أبو جعفر يكتب إلى محمّد عن ألسن قواده يدعونه إلى الظّهور ، ويخبرونه أنّهم معه ، فكان محمّد يقول : لو التقينا مال إليّ القواد كلّهم « 2 » .
بل أوعز المنصور إلى قائده الكبير حميد بن قحطبة أن يخدع محمّد النّفس الزّكيّة فيتظاهر بطاعته والولاء له ، وقام حميد بدور بارز في الصّراع الّذي دار بين محمّد والمنصور فقد تولّى قيادة أحد الجيش اللّذين بعثهما المنصور إلى المدينة
هامش
( 1 ) انظر ، ابن جرير ، تأريخ الطّبري : 6 / 163 - 164 .
( 2 ) ابن جرير ، تأريخ الطّبري : 6 / 189 .