مَقالٌ ، ولِكُلِّ عَصرٍ رِجالٌ ، وَالمَرءُ بِيَومِهِ أشبَهُ مِنهُ بِأَمسِهِ ، وهِيَ الأَيّامُ تُهلِكُ جيلًا وتُديلُ قَبيلًا ، وَالعافِيَةُ أفضَلُ جِلبابٍ ، ولِلآفاتِ أسبابٌ ، فَمِن أوكَدِ أسبابِهَا التَّعَرُّضُ لِأَبوابِها .
ثُمَّ صَمَتَ العاقِبُ مُطرِقاً ، فَأَقبَلَ عَلَيهِ السَّيِّدُ وَاسمُهُ أهتَمُ بنُ النُّعمانِ - وهُوَ يَومَئِذٍ اسقُفُّ نَجرانَ ، وكانَ نَظيرَ العاقِبِ في عُلُوِّ المَنزِلَةِ ، وهُوَ رَجُلٌ مِن عامِلَةَ وعِدادُهُ في لَخمٍ ، فَقالَ لَهُ : سَعَدَ جَدُّكَ وسَما جَدُّكَ أبا واثِلَةَ ، إنَّ لِكُلِّ لامِعَةٍ ضِياءٌ ، وعَلى كُلِّ صَوابٍ نوراً ، ولكِن لا يُدرِكُهُ - وحَقِّ واهِبِ العَقلِ - إلّامَن كانَ بَصيراً ، إنَّكَ أفضَيتَ وهذانِ فيما تصرّف بِكُمَا الكَلِمُ إلى سَبيلَي حَزَنٍ « 1 » وسَهلٍ ، ولِكُلٍّ عَلى تَفاوُتِكُم حَظٌّ مِنَ الرَّأيِ الرَّبيقِ « 2 » وَالأَمرِ الوَثيقِ إذا اصيبَ بِهِ مَواضِعُهُ ، ثُمَّ إنَّ أخا قُرَيشٍ قَد نَجَدَكُم لِخَطبٍ عَظيمٍ وأَمرٍ جَسيمٍ ، فَما عِندَكُم فيهِ قولوا وأَنجِزوا ، أبُخوعٌ « 3 » وإقرارٌ ، أم نُزوعٌ ؟
قالَ عُتبَةُ وَالهَديرُ « 4 » وَالنَّفَرُ مِن أهلِ نَجرانَ : فَعادَ كُرزُ بنُ سَبرَةَ لِكَلامِهِ وكانَ كَمِيّاً « 5 » أبِيّاً ، فَقالَ :
أنَحنُ نُفارِقُ ديناً رَسَخَت عَلَيهِ عُروقُنا ، ومَضى عَلَيهِ آباؤُنا ، وعَرَفَ مُلوكُ النّاسِ ثُمّ العَرَبُ ذلِكَ مِنّا ؟ ! أنَتَهالَكُ إلى ذلِكَ أم نُقِرُّ بِالجِزيَةِ وهِيَ الخِزيَةُ حَقّاً ؟ لا وَاللَّهِ حَتّى نُجَرِّدَ البَواتِرَ مِن أغمادِها ، وتَذهَلَ الحَلائِلُ عَن أولادِها ، أو نَشرُقُ نَحنُ [ و ] « 6 » مُحَمَّدٌ بِدِمائِنا ، ثُمَّ يُديلُ اللَّهُ عز وجل بِنَصرِهِ مَن يَشاءُ .
هامش
( 1 ) . الحَزَنُ : المكانُ الغليظُ الخَشِن ( النهاية : ج 1 ص 380 « حزن » ) .
( 2 ) . من الرأي الربيق : أي الرأي الذي عزم عليه ، كأنّه مشدود في ربقة ، أو يلزم العمل به ، كأنّه يجعل فيعنق الإنسان في رِبقة ؛ وهي العروة التي يُشدّ بها البهيمة ( بحار الأنوار : ج 21 ص 326 ) .
( 3 ) . بَخَعَ بالحقّ بُخوعاً : أقرّ به وخضع له ( الصحاح : ج 3 ص 1183 « بخع » ) .
( 4 ) . وهما رَسولا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إلى نصارى نجران ، وقد تقدّم ذكرهما .
( 5 ) . الكَميُّ : الشجاعُ ( مجمع البحرين : ج 3 ص 1596 « كمي » ) .
( 6 ) . زيدت الواو من بحار الأنوار .