9872 . الإمام عليّ عليه السلام - في وَصفِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله - : ولَقَد كانَ في رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله كافٍ لَكَ فِي الاسوَةِ ، ودَليلٌ لَكَ عَلى ذَمِّ الدُّنيا وعَيبِها ، وكَثرَةِ مَخازيها ومَساويها ، إذ قُبِضَت عَنهُ أطرافُها ، ووُطِّئَت لِغَيرِهِ أكنافُها « 1 » ، وفُطِمَ عَن رَضاعِها ، وزُوِيَ عَن زَخارِفِها . . .
فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الأَطيَبِ الأَطهَرِ صلى الله عليه وآله ، فَإِنَّ فيهِ اسوَةً لِمَن تَأَسّى ، وعَزاءً لِمَن تَعَزّى .
وأحَبُّ العِبادِ إلَى اللَّهِ المُتَأَسّي بِنَبِيِّهِ وَالمُقتَصُّ لِأَثَرِهِ ، قَضَمَ الدُّنيا قَضماً ، ولَم يُعِرها طَرفاً ، أهضَمُ أهلِ الدُّنيا كَشحاً « 2 » ، وأخمَصُهُم « 3 » مِنَ الدُّنيا بَطناً ، عُرِضَت عَلَيهِ الدُّنيا فَأَبى أن يَقبَلَها ، وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ سُبحانَهُ أبغَضَ شَيئاً فَأَبغَضَهُ ، وحَقَّرَ شَيئاً فَحَقَّرَهُ ، وصَغَّرَ شَيئاً فَصَغَّرَهُ .
ولَو لَم يَكُن فينا إلّاحُبُّنا ما أبغَضَ اللَّهُ ورَسولُهُ وتَعظيمُنا ما صَغَّرَ اللَّهُ ورَسولُهُ ، لَكَفى بِهِ شِقاقاً لِلَّهِ ومُحادَّةً « 4 » عَن أمرِ اللَّهِ .
ولَقَد كانَ صلى الله عليه وآله يَأكُلُ عَلَى الأَرضِ ، ويَجلِسُ جِلسَةَ العَبدِ ، ويَخصِفُ بِيَدِهِ نَعلَهُ ، ويَرقَعُ بِيَدِهِ ثَوبَهُ ، ويَركَبُ الحِمارَ العارِيَ ويُردِفُ خَلفَهُ ، ويَكونُ السِّترُ عَلى بابِ بَيتِهِ فَتَكونُ فيهِ التَّصاويرُ فَيَقولُ : يا فُلانَةُ - لِإِحدى أزواجِهِ - غَيِّبيهِ عَنّي ، فَإِنّي إذا نَظَرتُ إلَيهِ ذَكَرتُ الدُّنيا وزَخارِفَها .
فَأَعرَضَ عَنِ الدُّنيا بِقَلبِهِ ، وأماتَ ذِكرَها مِن نَفسِهِ ، وأحَبَّ أن تَغيبَ زينَتُها عَن
هامش
( 1 ) . الكَنَفُ : الجانب ( الصحاح : ج 4 ص 1424 « كنف » ) .
( 2 ) . يقال : أهضم الكشحين : أي دقيق الخصرين ( راجع : النهاية : ج 4 ص 176 « كشح » ) . وهو هنا كنايةعن قلّة طعامه صلى الله عليه وآله وزهده في الدنيا ولذّاتها .
( 3 ) . الخَمصُ : الجوع ، ورجلٌ خُمصان وخَميص : إذا كان ضامر البطن ( النهاية : ج 2 ص 80 « خمص » ) .
( 4 ) . المَحادَّة : المعاداة والمخالفة ( النهاية : ج 1 ص 353 « حدد » ) .