تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة معارف الكتاب والسنة — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
الصُّدورِ ، وتَدابُرِ النُّفوسِ ، وتَخاذُلِ الأَيدي . وتَدَبَّروا أحوالَ الماضينَ مِنَ المُؤمِنينَ قَبلَكُم . . . فَانظُروا كَيفَ كانوا حَيثُ كانَتِ الأَملاءُ « 1 » مُجتَمِعَةً ، وَالأَهواءُ مُؤتَلِفَةً ( مُتَّفِقَةً ) ، وَالقُلوبُ مُعتَدِلَةً ، وَالأَيدي مُترادِفَةً ( مُتَرافِدَةً ) ، وَالسُّيوفُ مُتَناصِرَةً ، وَالبَصائِرُ نافِذَةً ، والعَزائِمُ واحِدَةً . ألَم يَكونوا أرباباً « 2 » في أقطارِ الأَرَضينَ ، ومُلوكاً عَلى رِقابِ العالَمينَ ؟ ! فَانظُروا إلى ما صاروا إلَيهِ في آخِرِ امورِهِم ، حينَ وَقَعَتِ الفُرقَةُ ، وتَشَتَّتَتِ الالفَةُ ، وَاختَلَفَتِ الكَلِمَةُ وَالأَفئِدَةُ ، وتَشَعَّبوا مُختَلِفينَ ، وتَفَرَّقوا مُتَحارِبينَ ( مُتَحازِبينَ ) ، قَد خَلَعَ اللَّهُ عَنهُم لِباسَ كَرامَتِهِ ، وسَلَبَهُم غَضارَةَ « 3 » نِعمَتِهِ ، وبَقِيَ قَصَصُ أخبارِهِم فيكُم عِبَراً للمُعتَبِرينَ . فَاعتَبِروا بِحالِ وَلَدِ إسماعيلَ وبَني إسحاقَ وبَني إسرائيلَ عليهم السلام ، فَما أشَدَّ اعتِدالِ الأَحوالِ ، وأقرَبَ اشتِباهِ الأَمثالِ . تَأَمَّلوا أمرَهُم في حالِ تَشَتُّتِهِم وتَفَرُّقِهِم ، لَيالِيَ كانَتِ الأَكاسِرَةُ وَالقَياصِرَةُ أرباباً لَهُم ، يَحتازونَهُم عَن ريفِ الآفاقِ ، وبَحرِ العِراقِ ، وخُضرَةِ الدُّنيا ، إلى مَنابِتِ الشّيحِ « 4 » ، ومَهافِي الرّيحِ ، ونَكَدِ المَعاشِ ، فَتَرَكوهُم عالَةً مَساكينَ ، إخوانَ دَبَرٍ ووَبَرٍ « 5 » ، أذَلَّ الامَمِ داراً ، وأجدَبَهُم قَراراً ، لا يَأوونَ إلى جَناحِ دَعوَةٍ يَعتَصِمونَ بِها ، ولا إلى ظِلِّ الفَةٍ يَعتَمِدونَ عَلى عِزِّها ، فَالأَحوالُ مُضطَرِبَةٌ ، وَالأَيدي مُختَلِفَةٌ ، وَالكَثرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ ؛
هامش
( 1 ) . المَلَأُ : أشراف الناس ورؤساؤهم ، وجمعه : أملاء ( النهاية : ج 4 ص 351 « ملأ » ) . ( 2 ) . الرَّبُّ : المَالِكُ والسيّد . . . ( النهاية : ج 2 ص 179 « ربب » ) . ( 3 ) . الغَضَارَةُ : الخيرُ والسَّعَةُ في العيشِ ( تاج العروس : ج 7 ص 311 « غضر » ) . ( 4 ) . الشّيحُ : نبات سهلي يُتّخذ من بعضه المكانس ، له طعم مرّ ( لسان العرب : ج 2 ص 502 « شيح » ) . ( 5 ) . أهلُ وَبَر : أي أهل البوادي والقُرى ، وهو من وبر الإبل ، لأنّ بيوتهم يتّخذونها منه ( النهاية : ج 5 ص 145 « وبر » ) .
موسوعة معارف الكتاب والسنة — صفحة 343 | محمد الريشهري