وهذه الخصيصة حاكية عن أنّ معارف القرآن لها مراتب عديدة ومعانٍ عميقة يتمّ كشفها والانتفاع بها على مرّ التاريخ ، إلّاأنّ كشف هذه المعاني العميقة والدقيقة لا يتيسّر لكلّ أحد ، وإنّما هو خاصّ بمن له مؤهّلات علميّة وعمليّة معيّنة .
6 . تعدّد المعاني والبطون
القرآن الكريم ليس كالكتاب الأخرى التي يكتبها الناس ، فمهما كان الكتاب عميقاً فإنّه يمكنإدراك كنهه ومعناه بالدقّة ، وأمّا القرآنالذي هو كلامالحكيم سبحانه وتعالى والذي خلق جميع المخلوقات ويعلم كنه وجودها ، وبيده القضايا الحقيقيّة والاعتباريّة ، وتحت قدرته الأبصار والأوهام ، وفي ملكه المقدّر والمخلوق ؛ فقد نظّم الباري جلّ وعلا هذا الكتاب على أساس الحكمة والعلم بحيث لا يعلم كنهه سواه وسوى من ارتضاه . وهذا هو المعبرّ عنه ببطون القرآن ومعانيه المتعددة ، وقد يعبر عنه بحقائق القرآن .
ففي رواية عن الإمام الباقر عليه السلام :
إنَّ للقُرآنِ بَطناً ، ولِلبَطنِ بَطناً . « 1 »
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال :
إنَّ لِلقرآنِ ظَهراً وبَطناً ، ولِبَطنِهِ بَطنٌ إلى سَبعَةِ أبطُن . « 2 »
كما جاءت الإشارة إلى هذه المراتب والبطون في الرواية المرويّة عن الإمام عليّ عليه السلام حيث قال :
إنَّ كِتابَ اللَّهِ عَلى أربَعَةِ أشياءَ : عَلَى العِبارَةِ ، وَالإِشارَةِ ، وَاللَّطائِفِ ، وَالحَقائِقِ ، فَالعِبارَةُ لِلعَوامِّ ، وَالإِشارَةُ لِلخَواصِّ ، وَاللَّطائِفُ لِلأَولِياءِ ، وَالحَقائِقُ لِلأَنبِياءِ . « 3 »
وسنوضّح هذه المراتب في البحث اللآتي : « موقع السنّة في مجال المعرفة الدينيّة » إن شاء اللَّه .
هامش
( 1 ) . المحاسن : ج 2 ص 300 ح 5 .
( 2 ) . عوالي اللآلي : ج 4 ص 107 ح 159 .
( 3 ) . عوالي اللآلي : ج 4 ص 105 ح 155 ، جامع الأخبار : ص 116 ح 211 عن الإمام الحسين عليه السلام ، الدرّة الباهرة : ص 31 ، نزهة الناظر : ص 172 ح 357 ، أعلام الدين : 303 كلّها عن الإمام الصادق عليه السلام ، بحار الأنوار : ج 92 ص 20 ح 18 .