تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة العقائد الإسلامية — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
فَمَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ أمرَهُ ونَهيَهُ إلى عِبادِهِ فَقَد أثبَتَ عَلَيهِ العَجزَ وأوجَبَ عَلَيهِ قَبولَ كُلِّ ما عَمِلوا مِن خَيرٍ وشَرٍّ وأبطَلَ أمرَ اللَّهِ ونَهيَهُ ووَعدَهُ ووَعيدَهُ ، لِعِلَّةِ ما زَعَمَ أنَّ اللَّهَ فَوَّضَها إلَيهِ ؛ لِأَنَّ المُفَوَّضَ إلَيهِ يَعمَلُ بِمَشيئَتِهِ ، فَإِن شاءَ الكُفرَ أوِ الإِيمانَ كانَ غَيرَ مَردودٍ عَلَيهِ ولا مَحظورٍ ، فَمَن دانَ بِالتَّفويضِ عَلى هذَا المَعنى فَقَد أبطَلَ جَميعَ ما ذَكَرنا مِن وَعدِهِ ووَعيدِهِ وأمرِهِ ونَهيِهِ وهُوَ مِن أهلِ هذِهِ الآيَةِ :
أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
« 1 » ، تَعالَى اللَّهُ عَمّا يَدينُ بِهِ أهلُ التَّفويضِ عُلُوّاً كَبيراً . لكِن نَقولُ : إنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - خَلَقَ الخَلقَ بِقُدرَتِهِ ومَلَّكَهُمُ استِطاعَةً تَعَبَّدَهُم بِها ، فَأَمَرَهُم ونَهاهُم بِما أرادَ فَقَبِلَ مِنهُمُ اتِّباعَ أمرِهِ ورَضِيَ بِذلِكَ لَهُم . ونَهاهُم عَن مَعصِيَتِهِ وذَمَّ مَن عَصاهُ وعاقَبَهُ عَلَيها وللَّهِ الخِيَرَةُ فِي الأَمرِ وَالنَّهيِ ، يَختارُ ما يُريدُ ويَأمُرُ بِهِ ويَنهى عَمّا يَكرَهُ ويُعاقِبُ عَلَيهِ بِالاستِطاعَةِ الَّتي مَلَّكَها عِبادَهُ لِاتِّباعِ أمرِهِ وَاجتِنابِ مَعاصيهِ ؛ لِأَنَّهُ ظاهِرُ العَدلِ وَالنَّصَفَةِ وَالحِكمَةِ البالِغَةِ ، بالِغ‌ُالحُجَّةَ بِالإِعذارِ وَالإِنذارِ ، وإلَيهِ الصَّفوَةُ يَصطَفي مِن عِبادِهِ مَن يَشاءُ لِتَبليغِ رِسالَتِهِ وَاحتِجاجِهِ عَلى عِبادِهِ ، اصطَفى مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وبَعَثَهُ بِرِسالاتِهِ إلى خَلقِهِ ، فَقالَ مَن قالَ مِن كُفّارِ قَومِهِ حَسَداً وَاستِكباراً :
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
« 2 » ، يَعني بِذلِكَ امَيَّةَ بنَ أبِي الصَّلتِ وأبا مَسعودٍ الثَّقَفِيَّ ، فَأَبطَلَ اللَّهُ اختِيارَهُم ولَم يُجِز لَهُم آراءَهُم ، حَيثُ يَقولُ :
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ
هامش
( 1 ) . البقرة : 85 . ( 2 ) . الزخرف : 31 .
موسوعة العقائد الإسلامية — صفحة 258 | محمد الريشهري