على هذا فإنّ من يرى أن البداء في العلم ملازم لجهل اللَّه سبحانه ، قد خلط بين العلم الذاتي والعلم الفعلي ، ولم يدرك معنى العلم الفعلي .
إنّ ما يراه البعض من أنّ الجهل ملازم للبداء فيما يتعلّق باللَّه ، له سبب آخر أيضاً وهو قياس اللَّه بالإنسان ، وهو الّذي يجب اجتنابه بشدة في المباحث العقائديّة ، فقد روي عن الإمام الرضا عليه السلام قوله :
إنَّهُ مَن يَصِفُ رَبَّهُ بِالقِياسِ لا يزالُ الدَّهرَ فِي الالتِباس . « 1 »
وعندما يحدث البداء للبشر في أمر ما ونصل إلى رأي جديد ، فإنّ هذا الرأي الجديد يحصل لنا في الغالب إثر ظهور علم واطّلاع جديدين ، ويرى معارضو البداء أنّ هذه الحالة نفسها تجري أيضاً فيما يتعلّق باللَّه ، قال الغفاري :
جاء في القاموس : « بدا بدواً وبدّواً : ظهر . وبدا له في الأمر بدواً وبداءً وبداة : نشأ له فيه رأي » . فالبداء في اللغة له معنيان : الأوّل الظهور بعد الخفاء ، والثاني : نشأة الرأي الجديد . وهذا يستلزم الجهل وحدوث العلم وكلاهما محال على اللَّه تعالى . « 2 »
وهذا التفسير للبداء إنما هو على أساس قياس الخالق بالمخلوق ، ولكنّ اتباع أهل البيت عليهم السلام لا يرون له قيمة ، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام :
مَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ يَبدو لَهُ في شَيءٍ لَم يَعلَمهُ أمسِ فَابرَؤُوا مِنهُ . « 3 »
كما روي عن منصور بن حازم قال :
سَأَلتُ أبا عَبدِ اللَّهِ عليه السلام : هَل يَكونُ اليَومَ شَيءٌ لَم يَكُن في عِلمِ اللَّهِ بِالأَمسِ ؟
قالَ : لا ، مَن قالَ هذا فَأَخزاهُ اللَّهُ ، قُلتُ : أرَأَيتَ ما كانَ وما هُوَ كائِنٌ إلى يَومِ القِيامَةِ ، ألَيسَ في عِلمِ اللَّهِ ؟ قالَ : بَلى ، قَبلَ أن يَخلُقَ الخَلقَ . « 4 »
هامش
( 1 ) . بحارالأنوار : ج 3 ص 297 ح 23 .
( 2 ) . أصول مذهب الشيعة : ج 2 ص 938 ، بين الشيعة وأهل السنة : ص 75 - 186 .
( 3 ) . بحار الأنوار : ج 4 ص 111 ح 30 .
( 4 ) . راجع : ص 174 ح 5912 .