عَزَّ وجَلَّ لَم يُطلِع عَلَى الغَيبِ أحَداً - أنَّهُ مَقتولٌ ، ولكِنَّهُ اختارَ المِيتَةَ الكَريمَةَ عَلَى الحَياةِ الذَّميمَةِ ، فَرَحِمَ اللَّهُ حُسَيناً عليه السّلام ، وأخزى قاتِلَ حُسَينٍ عليه السّلام .
لَعَمري ، لَقَد كانَ مِن خِلافِهِم إيّاهُ وعِصيانِهِم ما كانَ في مِثلِهِ واعِظٌ وناهٍ عَنهُم ، ولكِنَّهُ ما حُمَّ « 1 » نازِلٌ ، وإذا أرادَ اللَّهُ أمراً لَن يُدفَعَ ، أفَبَعدَ الحُسَينِ عليه السّلام نَطمَئِنُّ إلى هؤُلاءِ القَومِ ، ونُصَدِّقُ قَولَهُم ، ونَقبَلُ لَهُم عَهداً ؟ لا ، ولا نَراهُم لِذلِكَ أهلًا .
أما وَاللَّهِ ، لَقَد قَتَلوهُ طَويلًا بِالَّليلِ قيامُهُ ، كَثيراً فِي النَّهارِ صِيامُهُ ، أحَقَّ بِما هُم فيهِ مِنهُم ، وأولى بِهِ فِي الدّينِ وَالفَضلِ .
أما وَاللَّهِ ، ما كانَ يُبَدِّلُ بِالقُرآنِ الغِناءَ ، ولا بِالبُكاءِ مِن خَشيَةِ اللَّهِ الحُداءَ « 2 » ، ولا بِالصِّيامِ شُربَ الحَرامِ ، ولا بِالمَجالِسِ في حَلَقِ الذِّكرِ الرَّكضَ في تَطلابِ الصَّيدِ ، - يُعَرِّضُ بِيَزيدَ - فَسَوفَ يَلقَونَ غَيّاً .
فَثار إلَيهِ أصحابُهُ ، فَقالوا لَهُ : أيُّهَا الرَّجُلُ ! أظهِر بَيعَتَكَ ، فَإِنَّهُ لَم يَبقَ أحَدٌ - إذ هَلَكَ حُسَينٌ - يُنازِعُكَ هذَا الأَمرَ ، وقَد كانَ يُبايِعُ النّاسَ سِرّاً ، ويُظهِرُ أنَّهُ عائِذٌ بِالبَيتِ ، فَقالَ لَهُم : لا تَعجَلوا . « 3 »
2476 . الفتوح : جَعَلَ النّاسُ يُبايِعونَ عَبدَ اللَّهِ بنَ الزُّبَيرِ ، حَتّى بايَعَهُ خَلقٌ كَثيرٌ مِن أهلِ الحِجازِ وغَيرُهُم مِن أهلِ الأَمصارِ ، ويَزيدُ بنُ مُعاوِيَةَ لا يَعلَمُ بِشَيءٍ مِن ذلِكَ . حَتّى إذا عَلِمَ ابنُ الزُّبَيرِ أنَّهُ قَد قَوِيَ ظَهرُهُ بِهؤُلاءِ الخَلقِ الَّذينَ قَد بايَعوهُ ، أظهَرَ عَيبَ يَزيدَ سّراً وجَهراً ، وجَعَلَ يَلعَنُهُ ، ويَقولُ فيهِ وفي بَني امَيَّةَ كُلَّ ما قَدَرَ عَلَيهِ مِنَ الكَلامِ القَبيحِ .
ثُمَّ إنَّهُ كانَ يَصعَدُ المِنبَرَ ، فَيَقولُ : أيُّهَا النّاسُ ، إنَّكُم قَد عَلِمتُم ما سارَت بِهِ فيكُم
هامش
( 1 ) . أحمّ الشيء : إذا قرب ودنا ( النهاية : ج 1 ص 445 « حمم » ) .
( 2 ) . حدا بالإبل حَدواً وحداءً : إذا غنّى لها ( مجمع البحرين : ج 1 ص 376 « حدا » ) .
( 3 ) . تاريخ الطبري : ج 5 ص 474 ، الكامل في التاريخ : ج 2 ص 585 ، تذكرة الخواص : ص 268 نحوه وراجع : البداية والنهاية : ج 8 ص 212 .