عَلَيها ، فَخُذ هذَينِ الغُلامَينِ إلَيكَ ، فَانطَلِق بِهِما إلى شاطِئِ الفُراتِ ، فَاضرِب عُنُقَيهِما وَائتِني بِرَأسَيهِما ، لِأَنطَلِقَ بِهِما إلى عُبَيدِ اللَّهِ بنِ زِيادٍ وآخُذَ جائِزَةَ ألفَي دِرهَمٍ .
فَأَخَذَ الغُلامُ السَّيفُ ، ومَشى أمامَ الغُلامَينِ ، فَما مَضى إلّاغَيرَ بَعيدٍ حَتّى قالَ أحَدُ الغُلامَينِ : يا شابُّ ، ما أخوَفَني عَلى شَبابِكَ هذا مِن نارِ جَهَنَّمَ ! فَقالَ : يا حَبيبَيَّ ، فَمَن أنتُما ؟ قالا : مِن عِترَةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صلّى اللَّه عليه وآله يُريدُ والِدُكَ قَتلَنا .
فَانكَبَّ الغُلامُ عَلى أقدامِهِما يُقَبِّلُهُما ، وهُوَ يَقولُ لَهُما مَقالَةَ الأَسوَدِ ، ورَمى بِالسَّيفِ ناحِيَةً وطَرَحَ نَفسَهُ فِي الفُراتِ وعَبَرَ ، فَصاحَ بِهِ أبوهُ : يا بُنَيَّ عَصَيتَني ! قالَ :
لَأَن اطيعَ اللَّهَ وأعصِيَكَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أن أعصِيَ اللَّهَ واطيعَكَ .
قالَ الشَّيخُ : لا يَلي قَتلَكُما أحَدٌ غَيري ، وأخَذَ السَّيفَ ومَشى أمامَهُما ، فَلَمّا صارَ إلى شاطِىءِ الفُراتِ سَلَّ السَّيفَ مِن جَفنِهِ ، فَلَمّا نَظَرَ الغُلامانِ إلَى السَّيفِ مَسلولًا اغرَورَقَت أعيُنُهُما ، وقالا لَهُ : يا شَيخُ ، انطَلِق بِنا إلَى السّوقِ وَاستَمتِع بِأَثمانِنا ، ولا تُرِد أن يَكوَن مُحَمَّدٌ خَصمَكَ فِي القِيامَةِ غَداً .
فَقالَ : لا ، ولكِن أقتُلُكُما وأذهَبُ بِرَأسَيكُما إلى عُبَيدِ اللَّهِ بنِ زِيادٍ ، وآخُذُ جائِزَةَ ألفَي دِرهَمٍ .
فَقالا لَهُ : يا شَيخُ ! أما تَحفَظُ قَرابَتَنا مِن رَسولِ اللَّهِ صلّى اللَّه عليه وآله ؟
فَقالَ : ما لَكُما مِن رَسولِ اللَّهِ قَرابَةٌ .
قالا لَهُ : يا شَيخُ ! فَائتِ بِنا إلى عُبَيدِ اللَّهِ بنِ زِيادٍ حَتّى يَحكُمَ فينا بِأَمرِهِ .
قالَ : ما إلى ذلِكَ سَبيلٌ إلَّاالتَّقَرُّبُ إلَيهِ بِدَمِكُما .
قالا لَهُ : يا شَيخُ ! أما تَرحَمُ صِغَرَ سِنِّنا ؟
قالَ : ما جَعَلَ اللَّهُ لَكُما في قَلبي مِنَ الرَّحمَةِ شَيئاً .
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ — صفحة 182
مساهمون: محمد الريشهري
ص١٨٢