أنتُم - يا أهلَ اليَمَنِ - حَتّى تَأتوني بِصاحِبِكُم ، وَامتَثَلَ صَنيعَ أبيهِ في حُجرٍ حينَ بَعَثَ أهلَ اليَمَنِ .
وأشارَ عَلَيهِ عَمرُو بنُ الحَجّاجِ بِأَن يُحبَسَ كُلُّ مَن كانَ فِي المَسجِدِ مِنَ الأَزدِ ، فَحُبِسَوا وفيهِم عَبدُ الرَّحمنِ بنُ مِخنَفٍ وغَيرُهُ ، فَاقتَتَلَتِ الأَزدُ وأهلُ اليَمَنِ قِتالًا شَديداً .
وَاستَبطَأَ ابنُ زِيادٍ أهلَ اليَمَنِ ، فَقالَ لِرَسولٍ بَعَثَهُ إلَيهِم : انظُر ما بَينَهُم ؟ [ فَأَتاهُم ] فَرَأى أشَدَّ قَتلٍ ، فَقالوا : قُل لِلأَميرِ إنَّكَ لَم تَبعَثنا إلى نَبَطِ « 1 » الجَزيرَةِ ولا جَرامِقَةِ « 2 » المَوصِلِ ، إنَّما بَعَثتَنا إلَى الأَزدِ ، إلى اسودِ الأَجَمِ « 3 » ، لَيسوا بِبَيضَةٍ تُحسى ولا حَرمَلَةٍ « 4 » توطَأُ .
فَقُتِلَ مِنَ الأَزدِ عُبَيدُ اللَّهِ بنُ حَوزَةَ الوالِبِيُّ ومُحَمَّدُ بنُ حَبيبٍ البَكرِيُّ ، وكَثُرَتِ القَتلى بَينَهُم ، وقَوِيَتِ اليَمانِيَّةُ عَلَى الأَزدِ ، وصاروا إلى خُصٍّ « 5 » في ظَهرِ دارِ ابنِ عَفيفٍ فَكَسَروهُ وَاقتَحَموا ، فَناوَلَتهُ ابنَتُهُ سَيفَهُ فَجَعَلَ يَذُبُّ بِهِ ، وشَدّوا عَلَيهِ مِن كُلِّ جانِبٍ ، فَانطَلَقوا بِهِ إلَى ابنِ زِيادٍ وهُوَ يَقولُ :
اقسِمُ لَو يُفسَحُ لي مِن بَصَري * شَقَّ عَلَيكُم مَورِدي وصَدَري
وخَرَجَ سُفيانُ بنُ يَزيدُ بنِ المُغَفَّلِ لِيَدفَعَ عَنِ ابنِ عَفيفٍ ، فَأَخَذوهُ مَعَهُ ، فَقُتِلَ ابنُ عَفيفٍ وصُلِبَ بِالسَّبَخَةِ .
هامش
( 1 ) . النَّبَطُ : جيل من الناس كانوا ينزلون سواد العراق ، ثمّ استعمل في أخلاط الناس وعوامّهم ( المصباحالمنير : ص 590 « نبط » ) .
( 2 ) . الجرامقة : قوم بالموصل أصلهم من العجم ( الصحاح : ج 4 ص 1454 « الجرامقة » ) .
( 3 ) . الاجَمَةُ : من القصب ، والجمع أجمات وأجَم واجُم ( الصحاح : ج 5 ص 1858 « أجم » ) .
( 4 ) . حرملة : اسم نبات ( راجع : تاج العروس : ج 14 ص 147 « حرمل » ) .
( 5 ) . الخُصُّ : بيت يعمل من الخَشَبِ والقَصَبِ ( النهاية : ج 2 ص 37 « خصص » ) .