الباب الثّالث : الدّعاء والذّكر
كلامٌ حول الدعاء
الدعاء لغةً هو كما ذهب ابن فارس في تبيان جذره ، فقال :
هو أن تُميلَ الشَّيءَ إلَيكَ بِصَوتٍ وكَلامٍ يَكونُ مِنكَ . « 1 »
فكلمة « الدعاء » أعمّ من « النداء » لأنّ « النداء » يختصّ بباب الألفاظ والأصوات ، بيد أنّ « الدعاء » يمكن أن يكون باللفظ ، ويمكن أن يكون بالإشارة وأمثالها . ويضاف إلى ذلك أنّ « النداء » في معناه الحقيقيّ يتعيّن أن يكون بصوت عالٍ ، أمّا « الدعاء » فلا يتقيّد بذلك . « 2 »
في ضوء ذلك يكون « الدعاء » و « الدعوة » بمعنى توجيه نظر المدعوّ نحو الداعي من أجل جلب منفعة أو دفع ضررٍ . فالسؤال بمنزلة الغاية من الدعاء ، وهو المعنى الجامع لجميع موارد السؤال .
حقيقة الدعاء
يتبيّن من التأمّل في استعمال كلمة « الدعاء » في القرآن والحديث أنّ دعاء الإنسان أمام اللَّه سبحانه هو في الحقيقة بمعنى عدّ نفسه عبداً للَّهومحتاجاً مطلقاً إليه ، وانتظار عنايته ورحمته بعبادته .
وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ
. « 3 »
تدلّ هذه الآية الكريمة بوضوح على أنّ حقيقة « الدعاء » من منظور القرآن شعور الإنسان بعبوديّته لخالقه ، وطلب قربه ورحمته عن طريق عبادته . لذا تعبّر الآية عن هذه الحقيقة بكلمة « الدعاء » أوّلًا ، ثمّ بكلمة « العبادة » . وكذلك نلاحظ أنّ جميع الأحاديث التي تصف « الدعاء » بمخّ العبادة أو تراه عين العبادة تُشير إلى حقيقة مفهوم الدعاء .
أهمّيّة الدعاء وتأثيره في الحياة
حسبنا من أهمّيّة الدعاء أنّه روح العبادة ومخّها ، فلهذا ورد أنّه أنفع من تلاوة القرآن بل أفضل العبادات جميعاً .
والدعاء مفتاح الرحمة الإلهيّة ، ووسيلة التقرّب إلى اللَّه ، وموجب لتلبية الطلبات ، والسلامة من الشيطان ، وحياة الروح .
ولا يساعد الإنسان على الخلاص من محن الحياة وآلامها ومتاعبها فحسب ، بل يمكن أن يغيّر المصير المحتوم للحياة ، ويقي من أنواع البلاء . ومن هنا أوصى أئمّة الإسلام بالبِدار إلى الدعاء .
هامش
( 1 ) . معجم مقاييس اللغة : ج 2 ص 279
( 2 ) . النداء : امتداد الصوت ورفعه ، ونادى نظير دعا ، إلّاأنّ الدعاء قد يكون بعلامة من غير صوت ولا كلام ، ولكن بإشارة تنبئ عن معنى تعال ، ولا يكون النداء إلّابرفع الصوت ( مجمع البيان : ج 4 ص 654 )
( 3 ) . غافر : 60