متهاون بالناس ، لا يرى لأحد عليه حقّاً ، كثير الكلام ، كثير الأكل ، نؤوم ، يجلس في غير موضعه ، ونحو ذلك ، وأمّا في ثوبه كقولك : إنّه واسع الكمّ ، طويل الذّيل ، وسخ الثياب ، ونحو ذلك .
واعلم أنَّ ذلك لا يقصر على اللسان ، بل التلفّظِ به إنّما حُرّم لأنّ فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه ، فالتّعريض كالتّصريح ، والفعل فيه كالقول والإشارة والإيماء والغمز والرّمز والكنية والحركة ، وكلّ مايُفهم المقصود داخل في الغيبة ، مساوٍ للّسان في المعنى الذي حُرّم التلفّظ به لأجله .
ومن ذلك المحاكاة بأن تمشي متعارجاً أو كما يمشي فهو غيبة ، بل أشدّ من الغيبة .
ومن أخبث أنواع الغيبة غيبة المتسمّين بالفهم والعلم المرائين ؛ فإنّهم يفهمون المقصود على صفة أهل الصلاح والتقوى ليُظهروا من أنفسهم التعفّف عن الغيبة ويفهمون المقصود ، ولا يدرون بجهلهم أنّهم جمعوا بين فاحشتين : الرياء والغيبة ، وذلك مثل أن يذكر عنده إنسان فيقول : الحمد للَّهالذي لم يبتلنا بحبّ الرياسة أو بحبّ الدّنيا أو بالتكيّف بالكيفيّة الفلانيّة ، أو يقول : نعوذ باللَّه من قلّة الحياء أو من سوء التوفيق .
ومن ذلك أنّه قد يقدِّم مدح من يريد غيبته فيقول : ما أحسن أحوال فلان ! ما كان يقصّر في العبادات ، ولكن قد اعتراه فتور وابتلي بما نبتلى به كلّنا ، وهو قلّة الصبر !
ومن ذلك أن يذكر ذاكرٌ عيب إنسان فلا يتنبّه له بعض الحاضرين ، فيقول : سبحان اللَّه ما أعجب هذا ! حتّى يصغي الغافل إلى المغتاب ويعلمَ ما يقوله ، فيذكرَ اللَّه سبحانه ويستعملَ اسمَه آلة له في تحقيق خبثه وباطله ، وهو يمنّ على اللَّه بذكره جهلًا منه وغروراً .
ومن ذلك أن يقول : جرى من فلان كذا وابتلي بكذا ، بل يقول : جرى لصاحبنا أو صديقنا كذا تاب اللَّه علينا وعليه ! يُظهر الدعاء والتألّم والصداقة والصّحبة ، واللَّه مطّلع على خبث سريرته وفساد ضميره .
ومن أقسامها الخفيّة الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجّب ؛ فإنّه إنّما يُظهر التعجّب ليزيد نشاطَ المغتاب في الغيبة فيزيد فيها ، فكأنّه يستخرج منه الغيبة بهذا الطريق ، فيقول : عجبت ممّا ذكرتَه ما كنت أعلم بذلك إلى الآن ، ما كنت أعرف من فلان ذلك ! يريد بذلك تصديق المغتاب واستدعاءَ الزيادة منه باللّطف ، والتصديق للغيبة غيبة ، بل الإصغاء إليها بل السكوت عند سماعها . . . . « 1 »
34 / 5 . الحَثُّ علَى رَدِّ الغِيبةِ
2087 . رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : مَن تَطَوَّلَ على أخِيهِ في غِيبةٍ سَمِعَها فيهِ في مَجلِسٍ فَرَدَّها عَنهُ ، رَدَّ اللَّهُ عَنهُ ألفَ بابٍ مِن السُّوءِ في الدنيا والآخِرَةِ . « 2 »
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار : ج 75 ص 223 - 225
( 2 ) . الأمالي للصدوق : ص 516 ح 707