الباب الثّاني : العلم والحكمة والمعرفة
معنى « العلم » ، « الحكمة » و « المعرفة »
العلم لغة واصطلاحاً
العلم لغة هو الادراك وهو نقيض الجهل .
كما أنّ كلمتي « المعرفة والعرفان إدراك الشيء النابع عن التدبر في آثاره ، والعرفان نقيض الانكار .
والحكمة لغة مشتقة من الجذر « حكم » الذي هو بمعنى المنع ؛ لان الحكم العادل مانع من الظلم ، ويسمى اللجام الذي يوضع في فم الفرس والدواب « حكمة » لأنه يمنع الحيوان عن مخالفة راكبه . وعلى هذا الأساس سُمّي العلم « حكمة » لأنه يمنع من الجهل . « 1 »
العلم والمعرفة في القرآن والحديث
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
. « 2 »
لم يُقدِّر دين من الأديان العلمَ والحكمة كتقديرهما من قبل الإسلام ، ولم يُحذِّر أيٌّ من الأديان الناسَ من خطر الجهل كتحذير الإسلام .
إنّ العلم في الإسلام أُسّ جميع القيم ، والجهل أصل المساوئ والمفاسد الفرديّة والاجتماعيّة كلّها .
يرى الإسلام أنّ الإنسان بحاجة إلى العلم والمعرفة في كلّ حركة من حركاته .
ولابدّ لعقائده ، وأخلاقه ، وأعماله أن تقوم على دعامة علميّة .
وتوضيح ذلك أنّ للعلم في الإسلام حقيقة وجوهراً ، وظاهراً وقشراً . وتعدّ ضروب العلوم المتداولة - الإسلاميّة وغير الإسلاميّة - قشور العلم ، أمّا حقيقة العلم والمعرفة فهي شيء آخر .
لأنّ حقيقة العلم نور يرى به الإنسان العالم كما هو ، ويعرف منزلته الوجودية بسببه ، ولنور العلم درجات ، أرفعُها لا يدل المرء على طريق تكامله فحسب وانما يدفعه في هذا المسار ، ويبلغ به المقصد الأعلى للإنسانيّة .
لقد تحدّث القرآن الكريم عن هذا النور بصراحة ، فقال :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
؟ ! « 3 »
ودليلنا على أنّ هذا النور هو حقيقة العلم ، وجميع العلوم المتعارفة قشرٌ له ، هو أنّ قيمة العلوم المذكورة مرتبطة به . وجوهر العلم هو الذي يهب العلم قيمة حقيقيّة ، أي يجعله في خدمة الإنسان وتكامله وسعادته ، وبغيره لا يفقد العلم مزاياه وآثاره فحسب ، بل يتحوّل إلى عنصر مضادّ للقيم الإنسانيّة .
هامش
( 1 ) . الحاء والكاف والميم أصل واحد وهو المنع . وأول ذلك الحكم وهو المنع من الظلم . وسميت حكمة الدابة لأنها تمنعها . . . والحكمة هذا قياسها لأنها تمنع من الجهل » ( معجم مقاييس اللغة : ج 2 ص 91 )
( 2 ) . الزمر : 9
( 3 ) . الأنعام : 122