التي يمكن للناس من خلالها معرفة حقائق الوجود ، وذلك بسبب التحريف الذي لحق الأديان السابقة ، والذي حوّلها إلى خرافات وأوهام تحكم المجتمعات باسم الدين ، فقد تحوّلت تلك الأديان المحرّفة والعقائد الوهميّة في الواقع إلى وسيلة لهيمنة سلطة القهر والقوّة على الإنسان ، وهذه حقيقة يشهد لها تأريخ ما قبل الإسلام أيضاً .
لقد مثّل عصر النبيّ صلى الله عليه وآله بداية عصر العلم ، وإنّ أهم المسؤوليّات التي نهض بها النبيّ صلى الله عليه وآله هي اجتثاث الخرافات والتحريفات ، وإظهار الحقائق للناس .
ومن البديهي أنّ عصر العلم - الذي ابتدأ ببعثة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله - لا يمكن أن تكتب له الاستمراريّة ، إلّااذا عرف المسلمون في كلّ زمان إمامهم الّذي يحذو حذو الرسول صلى الله عليه وآله واقتدوا به .
ومجمل الكلام : إنّ الإمامة هي الضمانة لاستمرار عصر العلم أو عصر الإسلام الحقّ ، وبدون هذه الضمانة سيؤول مصير المجتمع إلى جاهلية ما قبل الإسلام .
مَن هوَ الإمامُ المطلوبُ مَعرِفَتُهُ ؟
إنّ أدنى تأمّل في مضمون الحديث المذكور سيما في ضوء التفسير الذي طرحناه آنفاً يغنينا عن الإجابة على هذا التساؤل بخصوص : من هو الإمام الذي تضمن إمامته ديمومة الإسلام الحقيقي ، وبإلغائها والجهل بها يتمّ الرجوع إلى الجاهليّة ؟
فهل يمكن تعقّل أن يوجب النبي صلى الله عليه وآله على جميع المسلمين معرفة واتّباع أي إمام متسلّطٍ على رقاب الامّة ، بحيث يكون الجهل به مؤدّياً إلى الموت على الجاهليّة ، حتّى ولو كان ظالماً غشوماً ومن « أئمّة النار » بالتعبير القرآني ؟ !
على هذا الأساس فإنّ المقصود بالأحاديث الواردة في أنّ « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية » هو التحذير - بلا أدنى شك - من مغبّة ترك ولاية الأئمّة عليهم السلام الثابت ضرورة التمسّك بها في حديث الثقلين والغدير ومئات الأحاديث الأخرى الواردة للُامّة في هذا الشأن .
الفصل الخامس : شروط الإمامة
5 / 1 . النَّصُّ مِنَ اللَّهِ
الكتاب
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
. « 1 »
الحديث
855 . رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : أيُّهَا النّاسُ ، لا تَأتوني غَداً بِالدُّنيا تَزُفّونَها زَفّاً « 2 » ، ويَأتي أهلُ بَيتي شُعثاً « 3 » غُبراً مَقهورينَ مَظلومينَ ، تَسيلُ دِماؤُهُم ، إيّاكُم وَاتِّباعَ الضَّلالَةِ
هامش
( 1 ) . البقرة : 124
( 2 ) . زَفَفتُ العَروسَ أزفُّها : إذا أهدَيتها إلى زوجِها ( النهاية : ج 3 ص 305 « زفف » )
( 3 ) . الأشعث : هو المغبرّ الرأس ( الصحاح : ج 1 ص 285 « شعث » ) .