برزت في هذا العالم بهذا الزيّ وتسمّت بهذا الاسم ؛ إذ الحقيقة واحدة ، تختلف صورها باختلاف المواطن ، فتتحلّى في كلّ موطن بحلية ، وتتزيّا في كلّ نشأة بزيّ .
وقالوا : إنّ اسم الفاعل في قوله تعالى :
يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
« 1 » ليس بمعنى الاستقبال بأن يكون المراد : إنّها ستحيط بهم في النشأة الأخرى - كما ذكره الظاهريّون من المفسّرين - بل هو على حقيقته من معنى الحال ، فإنّ قبائحهم الخلقيّة والعمليّة والاعتقاديّة محيطة بهم في هذه النشأة ، وهي بعينها جهنّم التي ستظهر لهم في النشأة الآخرة بصورة النار وعقاربها وحيّاتها .
وقس على ذلك قول اللَّه عزّ وجلّ :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
« 2 » ، وكذلك قوله سبحانه :
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً
« 3 » ؛ إذ ليس المراد أنّها تجد جزاءه بل تجده بعينه ، لكن ظاهراً في جلباب آخر ، وقوله تعالى :
فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
« 4 » كالصريح في ذلك ، ومثله في القرآن العزيز كثير .
وورد في الأحاديث النبويّة منه ما لا يحصى ، كقوله : « الذي يشرب في آنية الذهب والفضّة إنّما يجرجر في جوفه نار جهنّم » .
وقوله صلى الله عليه وآله : « الظلم ظلمات يوم القيامة » .
وقوله : « الجنّة قيعان ، وأنّ غراسها : سبحان اللَّه وبحمده » ، إلى غير ذلك من الأحاديث المتكثّرة ، واللَّه الهادي « 5 » . انتهى .
أقول : قد تقدّم في أحاديث الجنّة والنار أحاديث كثيرة من هذا القبيل إلّاأنّ حملها على خلق اللَّه تعالى ما يماثل الأعمال والاعتقادات غير بعيد ، كما يشهد بذلك كثير من الروايات السابقة ، فتدبّر .
قال العلّامة المحدّث المجلسيّ رحمه الله في البحار - بعد نقل كلام البهائيّ الأخير - :
هامش
( 1 ) . العنكبوت ( 29 ) : 54 .
( 2 ) . النساء ( 4 ) : 10 .
( 3 ) . آل عمران ( 3 ) : 30 .
( 4 ) . يس ( 36 ) : 54 .
( 5 ) . الأربعون ، ص 493 - 495 .