أخرى إنّما نشأت ولزمت من خصوصيّة هذا الموطن ، فعادت إلينا لا إلى الصفة الإلهيّة ، وهو معنى قوله تعالى في الحديث القدسيّ : « أنت أولى بسيّئاتك منّي » .
ومعنى قوله : « لا اسئل عمّا أفعل » أنّ الأفعال الصادرة منه بلا واسطة ، وكذا الصفات الإلهيّة الثابتة له في مقام التوحيد قبل عالم الكثرة ليست فيها شائبة النقص والقبح حتّى يرد فيها السؤال ؛ لأنّ عالم الإلهيّة كلّه نور وكمال .
ثمّ نقل عن بعض أصحاب القلوب - والظاهر أنّه ابن العربيّ « 1 » - أنّه ذكر تقريباً للطبائع والأفهام وتسهيلًا لفهم التوحيد الأفعاليّ على العقول فيما يضاف إلى الجمادات والأعجام ، فإنّ الحجاب عن إدراك هذا التحقيق أمران :
أحدهما : اختيار الإنسان والحيوان .
وثانيهما : ما ينسب إلى الجمادات وسائر الأجرام .
أمّا الأوّل : فإنّ نسبة إرادة الإنسان إلى مشيّة اللَّه كنسبة إدراك الحواسّ إلى إدراك العقل كما في قوله :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
« 2 » ، ونسبة مصادر أفعالها من الأبدان والأعضاء كنسبة الجوارح إلى القلب الذي هو أمير الجوارح ، كما دلّ عليه قوله :
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
« 3 » ،
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
« 4 » ، وقوله :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
« 5 » .
وأمّا الثاني : فقد انكشف لذي البصائر المستنيرة أنّ الشمس والقمر والغيم والمطر والأرض وكلّ حيوان وجماد مسخّرات بأمره تعالى ومقبوضات بقبض قدرته ، كالقلم الذي هو مسخّر للكاتب وعلمه وإرادته وقدرته وقوّته التي في عصبه وإصبعه ، كما أنّ علمه ومشيّته واردتان عليه من خزائن غيب الملكوت وكتابة قلم اللاهوت ، على ترتيب ونظام ، وتقدّم وتأخّر من الأعلى فالأعلى ، إلى الأدنى فالأدنى ، حتّى انتهى أثر
هامش
( 1 ) . بل الكلام هذا إلى آخر التمثيل والشرح هو للغزالي في إحياء علوم الدين ، ج 4 ص 247 - 252 .
( 2 ) . الدهر ( 76 ) : 30 ، التكوير ( 81 ) : 29 .
( 3 ) . الفتح ( 48 ) : 10 .
( 4 ) . التوبة ( 9 ) : 14 .
( 5 ) . الأنفال ( 8 ) : 17 .