كنهها وسنخها عن الممشى على طريقة الربوبيّة بأحد المعنيين المتقدّمين .
وقوله تعالى :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
أي موجود في غيبتك وحضرتك ، يعني : أنّ حقيقة العبوديّة وكنهه « 1 » هو التشبيه بالربّ والتخلّق بأخلاقه والتنزّه عن القوّتين الشهويّة والغضبيّة حتّى يحصل بذلك التجرّد وقطع العلائق وقطع النظر عمّا سوى اللَّه وعدم الالتفات إلى غيره ممّا اقتضاه الهوى ، فيحصل للعبد الانقطاع إليه تعالى بكلّيّته والتوجّه إليه بأجمعه .
ووجه كون العبوديّة ذلك ولزوم بلوغ العبد في العبادة إلى هذه المرتبة أنّه تعالى على كلّ شيء شهيد وموجود ورقيب في حال حضورك مع اللَّه وحال غيبتك وغفلتك عنه ، يعني : إذا كان اللَّه تعالى من العبد بهذه المثابة من القرب والحضور فلابدّ أن يسلك في عبادته المسلك المذكور ، يعني التشبيه بالربّ في الأخلاق والصفات ، والتسلّط على القوى البهيميّة وقهرها بالمرّة ، فلابدّ أن تعبده كأنّك تراه ، كما يشير إلى ذلك ما ذكره في مصباح الشريعة بعد هذا الكلام المنقول ، فقال : « وتفسير العبوديّة بذل الكلّيّة ، وسبب ذلك منع النفس عمّا تهوى وحملها على ما تكره ، ومفتاح ذلك ترك الراحة ، وحبّ العزلة ، وطريقة الافتقار إلى اللَّه تعالى ، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : اعبد اللَّه كأنّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك ، وحروف العبد ثلاثة : العين ، والباء ، والدال ، فالعين علمه باللَّه تعالى ، والباء بونه عمّا سواه ، والدال دنوّه من اللَّه بلا كيف ولا حجاب » « 2 » ، انتهى .
فإنّه عليه السلام لمّا أشار إلى كنه العبوديّة على سبيل الإجمال أراد تفسيرها وتوضيحها فقال : إنّها بذل الكلّيّة يعني التجافي عن الطبيعة بكلّيّتها ، وسبب ذلك البذل والتدبّر الذي يحصل به ذلك : منع النفس عمّا تهوى ، وهو مخالفة القوّة الشهويّة ، وحملها على ما تكره ، وهو مخالفة القوّة الغضبيّة ، ومفتاح ذلك المنع والحمل الذي يسهّل صعبها ويحلّ مقفلها : ترك الراحة وحبّ العزلة ، وسبيله الافتقار إلى اللَّه ، يعني : الانقطاع برمّته
هامش
( 1 ) . كذا ، والأنسب تأنيث الضمير .
( 2 ) . مصباح الشريعة ، ص 8 .