الوجود خير ومؤثّر لذاته ، ومجعول بنفسه ، والأشياء بالوجود موجودة ، والوجود مشيء بالذات ، والأشياء مشيئة بالوجود ، وكما أنّ الوجود حقيقة واحدة متفاوتة في الشدّة والضعف والكمال والنقص ، فكذا الخيريّة والمشيئيّة . وليس الخير المحض الذي لا يشوبه شرّ إلّاالوجود البحت الذي لا يمازجه عدم ونقص ، وهو ذات الباري جلّ مجده ، فهو المراد الحقيقيّ . هذا خلاصة ما ذكره بعض المحقّقين . « 1 » الثاني : ما ذكره بعض الأفاضل ، وهو :
أنّ للمشيّة معنيين :
أحدهما : متعلّقٌ بالشائيّ ، وهي صفة كماليّة قديمة ، هي نفس ذاته سبحانه ، وهي كون ذاته سبحانه بحيث يختار ما هو الخير والصلاح .
والثاني : يتعلّق بالمشيء ، وهو حادث بحدوث المخلوقات ، لا تتخلّف المخلوقات عنه ، وهو إيجاده سبحانه إيّاها بحسب اختياره ، وليست صفة زائدة على ذاته عزّ وجلّ وعلى المخلوقات ، بل هي نسبة بينهما تحدث بحدوث المخلوقات لفرعيّتها على المنتسبين معاً .
فنقول : إنّه لمّا كان ههنا مظنّة شبهة هي : أنّه إن كان اللَّه عزّ وجلّ خلق الأشياء بالمشيّة فبم خلق المشيّة ، أبمشيّة أخرى ؟ فيلزم أن يكون قبل مشيّته مشيّة إلى ما لا نهاية له ، فأفاد الإمام عليه السلام أنّ الأشياء مخلوقة بالمشيّة ، وأمّا المشيّة نفسها فلا يحتاج خلقها إلى مشيّة أخرى ، بل هي مخلوقة بنفسها ؛ لأنّها نسبة وإضافة بين الشائيّ والمشيء ، تتحصّل بوجوديهما العينيّ والعلميّ ، ولذا أضاف خلقها إلى اللَّه سبحانه ؛ لأنّ كلا الوجودين له وفيه ومنه .
وفي قوله : « بنفسها » دون أن يقول بنفسه إشارة لطيفة إلى ذلك ، نظير ذلك ما يقال :
إنّ الأشياء إنّما توجد بالوجود ، فأمّا الوجود بنفسه فلا يفتقر إلى وجود آخر ، بل إنّما يوجد بنفسه . « 2 »
هامش
( 1 ) . شرح أصول الكافي لصدر المتألّهين ، ج 3 ، ص 226 - 227 .
( 2 ) . الوافي ، ج 1 ، ص 458 ، ذيل حديث 371 .