وصفت نفسك ، والمشاكلة وإن كانت نوعاً من المجاز إلّاأنّها من المحسّنات المعنويّة الكثيرة الواردة في القرآن والحديث الفاشية في نظم البلغاء ونثرهم ، فليس الحمل عليها ببعيد ، ويزول التنافي بين الحديثين .
وتمسّك المعتزلة أيضاً بقوله :
« وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ »
« 1 » .
قال الشيخ الجليل أبو جعفر الطوسيّ في تفسيره الموسوم بالتبيان ما حاصله : إنّ هذه الآية تدلُّ على أنّ الحرام ليس رزقاً ؛ لأنّه سبحانه مدحهم بالإنفاق من الرزق ، والإنفاق من الحرام لا يوجب المدح .
وقد يقال : إنّ تقديم الظرف يفيد الحصر ، وهو يقتضي كون المال المنفق على ضربين : ما رزقه اللَّه وما لم يرزقه ، وأنّ المدح إنّما هو على الإنفاق ممّا رزقهم اللَّه وهو الحلال ، لا ممّا سوّلت لهم أنفسهم من الحرام ، ولو كان كلّما ينفقونه رزقاً من اللَّه سبحانه لم يستقم الحصر ؛ فتأمّل .
وكتب في الحاشية وجه التأمّل :
أنّ التقديم لا ينحصر أن يكون للحصر فقط ؛ إذ يمكن أن يكون هاهنا للسجع .
وأيضاً إنّما يستفيد من هذا كون الحلال رزقاً ، لا أنّ الحرام ليس رزقاً ، مع أنّه المبحوث عنه ، [ وأيضاً يكن أن يكون « من » في قوله تعالى
« مِمَّا رَزَقْناهُمْ »
للتبعيض ] « 2 » انتهى .
وقال العلّامة المجلسيّ في البحار بعد نقل كلام البهائيّ :
أقول : إنْ كان المراد بقولهم : رزقهم اللَّه الحرام أنّه خلقه ومكّنهم من التصرّف فيه ، فلا نزاع في أنّ اللَّه تعالى رزقهم بهذا المعنى ، وإن كان المعنى : أنّه المؤثّر في أفعالهم وتصرّفاتهم في الحرام ، فهذا إنّما يستقيم على أصلهم الذي ثبت بطلانه .
وإن كان الرزق بمعنى التمكين وعدم المنع من التصرّف فيه بوجه ، فظاهر أنّ الحرام ليس برزق بهذا المعنى على مذهب من المذاهب .
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 3 .
( 2 ) . الأربعين ، ص 222 مع اختلاف يسير . وزيادة أثبتناها من المصدر بين المعقوفتين .