الحَمدُ للَّهِ الَّذي لَيسَ لِقَضائِهِ دافِعٌ ، ولا لِعَطائِهِ مانِعٌ ، ولا كَصُنعِهِ صُنعُ صانِعٍ ، وهُوَ الجَوادُ الواسِعُ ، فَطَرَ « 1 » أجناسَ البَدائِعِ ، وأَتقَنَ بِحِكمَتِهِ الصَّنائِعَ ، لا يَخفى عَلَيهِ الطَّلائِعُ ، ولا تَضيعُ عِندَهُ الوَدائِعُ ، أتى بِالكِتابِ الجامِعِ ، وبِشَرعِ الإِسلامِ النّورِ السّاطِعِ ، وهُوَ لِلخَليقَةِ صانِعٌ ، وهُوَ المُستَعانُ عَلَى الفَجائِعِ ، جازي كُلِّ صانِعٍ ، ورائِشُ « 2 » كُلِّ قانِعٍ « 3 » ، وراحِمُ كُلِّ ضارِعٍ « 4 » ، ومُنزِلُ المَنافِعِ وَالكِتابِ الجامِعِ بِالنّورِ السّاطِعِ ، وهُوَ لِلدَّعَواتِ سامِعٌ ، ولِلدَّرَجاتِ رافِعٌ ، ولِلكُرُباتِ دافِعٌ ، ولِلجَبابِرَةِ قامِعٌ ، وراحِمُ عَبرَةِ كُلِّ ضارِعٍ ، ودافِعُ ضَرعَةِ كُلِّ ضارِعٍ ، فَلا إلهَ غَيرُهُ ، ولا شَيءَ يَعدِلُهُ ، ولَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ ، وهُوَ السَّميعُ البَصيرُ ، اللَّطيفُ الخَبيرُ ، وهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ .
اللَّهُمَّ إنّي أرغَبُ إلَيكَ ، وأَشهَدُ بِالرُّبوبِيَّةِ لَكَ ، مُقِرّاً بِأَنَّكَ رَبّي ، وأَنَّ إلَيكَ مَرَدّي ، ابتَدَأتَني بِنِعمَتِكَ قَبلَ أن أكونَ شَيئاً مَذكوراً ، وخَلَقتَني مِنَ التُّرابِ ، ثُمَّ أسكَنتَنِي الأَصلابَ ، أمناً لِرَيبِ المَنونِ « 5 » وَاختِلافِ الدُّهورِ ، فَلَم أزَل ظاعِناً « 6 » مِن صُلبٍ إلى رَحِمٍ في تَقادُمِ الأَيّامِ الماضِيَةِ ، وَالقُرونِ الخالِيَةِ ، لَم تُخرِجني - لِرَأفَتِكَ بي ، ولُطفِكَ لي وإحسانِكَ إلَيَّ - في دَولَةِ أيّامِ الكَفَرَةِ ، الَّذينَ نَقَضوا عَهدَكَ وكَذَّبوا رُسُلَكَ ، لكِنَّكَ أخرَجتَني رَأفَةً مِنكَ وتَحَنُّناً عَلَيَّ لِلَّذي سَبَقَ لي مِنَ الهُدَى ، الَّذي فيهِ يَسَّرتَني ، وفيهِ
هامش
( 1 ) . فَطَرَ : خلق ( المصباح المنير : ص 476 « فطر » ) .
( 2 ) . يقال : راشَهُ يَريشُه ؛ إذا أحسن حاله . وكلُّ من أوليته خيراً فقد رِشتَه ( لسان العرب : ج 6 ص 310 « ريش » ) .
( 3 ) . القانِعُ : السائل ، من القنوع : الرضا باليسير من العطاء ( النهاية : ج 4 ص 114 « قنع » ) .
( 4 ) . الضَّارعُ : النحيف الضاوي الجسم ( النهاية : ج 3 ص 84 « ضرع » ) .
( 5 ) . المنون : الدَّهرُ ، والموتُ ( القاموس المحيط : ج 4 ص 272 « منّ » ) .
( 6 ) . ظَعَنَ : سارَ ( الصحاح : ج 4 ص 2159 « ظعن » ) .