أن يتحرّى لك فعل جميل ، وعلى ذلك قال :
« وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ »
، « 1 » ومذموم ، وهو أن يتحرّى به فعل قبيح ، قال تعالى :
« وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ » .
« 2 » والحيلة : ما ويتوصّل به إلى حالةٍ مّا في خفيةٍ ، وأكثر استعمالها فيما تعاطيه خبث ، وقد تُستعمل فيما فيه حكمة ، ولهذا قيل في وصف اللَّه عزّ وجلّ :
« وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ »
، « 3 » أي الوصول خفيةً من الناس إلى ما فيه حكمة ، وعلى هذا النحو وُصِف بالمكر والكيد ، لا على الوجه المذموم ، تعالى اللَّه عن القبيح ، وفي الدعاء من الصحيفة السجّادية : «
اللّهمّ وامكر لنا ولا تمكر بنا
» ، « 4 » وفي الدعاء : «
ولا تمكر بي فيمن تمكر به
» . « 5 » قال السيّد رحمه الله في شرح الدعاء الخامس : « كد لنا ولا تكد علينا ، وامكر لنا ولا تمكر بنا » « 6 » : قال بعض العلماء : « الكيد إرادة مضرّة الغير خفيّة ، وهو من الخلق الحيلة السيّئة ، ومن اللَّه المتدبّر بالحقّ بمجازاة أعمال الخلق . والمكر من جانب العبد إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر ، ومن جانب الحقّ هو إرداف النعم مع المخالفة ، وإبقاء الحال مع سوء الأدب ، وإظهار الكرامات من غير جهد » . « 7 » وراجع الشرح أيضاً في شرح الدعاء السابع والأربعين في شرح قوله عليه السلام «
ولا تمكر بي فيمن تمكر به
» ، « 8 » وراجع روضة المتّقين « 9 » ومرآة العقول « 10 » في معنى مكر اللَّه تعالى .
وبالجملة ، مكر اللَّه تعالى - كما أشار إليه - هو إمهال اللَّه تعالى عبده وتمكينه من إعراض الدنيا ، وإرداف النعم مع المخالفة ، ولعلّه لذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام : «
من وُسِّع له دنياه ولم يعلم أنّه مُكِرَ به ، فهو مخدوع عن عقله
» . « 11 » فالمراد حينئذٍ ألّا يؤدّبه بالعقوبة ولا يتركه وهواه أن يصبّ عليهم النعم مردفاً مع العصيان ، ويحتمل أن يكون المراد طلب الخاصّة حتّى لا يزيغ في المداحض الخفية والمزالّ الّتي يصعب دركها والاحتراز عنها .
هامش
( 1 ) . آل عمران : 54 .
( 2 ) . فاطر : 43 .
( 3 ) . الرعد : 13 .
( 4 ) . الصحيفة السجّادية : ص 44 الدعاء 5 .
( 5 ) . الصحيفة السجّادية : ص 272 الدعاء 47 .
( 6 ) . الصحيفة السجّادية : ص 272 الدعاء 5 .
( 7 ) . رياض السالكين : ج 2 ص 152 .
( 8 ) . رياض السالكين : ج 7 ص 119 .
( 9 ) . روضة المتّقين : ج 9 ص 256 .
( 10 ) . مرآة العقول : ج 10 ص 14 .
( 11 ) . مفردات ألفاظ القرآن : ص 61 و 471 « بلى » و « مكر » .