والدليل على هذا قوله تعالى :
« إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ »
« 1 » ، ومنه الحديث : « لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو » ، وإنّما يريد المصحف .
قال أبو بكر : والقول عندنا في تأويل هذا الحديث أنّه أراد : لو كان القرآن في جلد ، ثمّ القي في النار ما أبطلته ؛ لأنّها وإن أحرقته فإنّها لا تدرُسه ؛ إذ كان اللَّه قد ضمَّنه قلوب الأخيار من عباده .
والدليل على هذا قول اللَّه تعالى للنبي صلى الله عليه وآله فيما روي عنه : « إنّي منزل عليك كتاباً لا يغسله الماء ، تقرأه نائماً ويقظان » ، فلم يرد تعالى أنّ القرآن لو كتب في شيء ، ثمّ غسل بالماء لم ينغسل ، وإنّما أراد أنّ الماء لا يبطله ولا يدرسه إذا كانت القلوب تعيه وتحفظه .
قال : ومثل هذا كثير في كتاب اللَّه تعالى وفي لغة العرب ، قال اللَّه تعالى :
« يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً »
« 2 » ، فهم قد كتموا اللَّه تعالى لمّا قالوا :
« وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ »
« 3 » ، وإنّما أراد تعالى ولا يكتمون اللَّه حديثاً في حقيقة الأمر ؛ لأنّهم وإن كتموه في الظاهر فالذي كتموه غير مستتر عنه .
وبعد هذا الاستعراض السريع لرائدي من رواد المحدثين يقول الشريف المرتضى قدس سره : والوجه الصحيح في تأويل الخبر غير ماتوهّمه ابن قتيبة وابن الأنباري جميعاً ، وهو أنّ هذا من كلام النبيّ صلى الله عليه وآله على طريق المثل والمبالغة في تعظيم شأن القرآن والإخبار عن جلالة قدره وعظم خطره ، والمعنى أنّه لو كتب في إهاب ، والقي في النار ، وكانت النار ممّا لا تُحرِق شيئاً لعلو شأنه وجلالة قدره لم تحرِّفه النار .
هامش
( 1 ) . الواقعة : 77 - 79 .
( 2 ) . النساء : 42 .
( 3 ) . الأنعام : 23 .