وهو أنّ اللَّه تعالى لما خلق الخلق وركّبهم تركيباً وأراهم الآيات والدلائل والعِبر في أنفسهم وفي غيرهم ، يدلّ الناظر فيها المتأمّل لها على معرفة اللَّه والهيته ووحدانيته ووجوب عبادته وطاعته ، جاز أن يجعل تسخيرها له وحصولها على هذه الصفات الدالّة على ما ذكرناه ، اقراراً منها بالوحدانية ، ووجوب العبادة ، ويجعل تصييرها على هذه الصفات الدالّة على ما ذكرنا استشهاداً لها على هذه الأمور .
وللعرب في هذا المعنى من الكلام المنثور والمنظوم مالا يحصى كثرة ، ومنه قول الشاعر :
امتلأ الحوض وقال قطني * مهلًا رويداً قد ملأت بطني
ومعنى ذلك : أنّني ملأته حتّى أنّه ممّن يقول : حسبي قد اكتفيت ، فجعل ما لو كان قائلًا لنطق ، كأنّه قال ونطق به .
وهذا تأويل الآية والأخبار المروية في الذرّ . وفي هذه الجملة كفاية . « 1 »
ويتعرّض الشريف المرتضى قدس سره : إلى مسألة مهمّة وهي في الأخبار الواردة في عدّة كتب من الأصول والفروع بمدح أجناسٍ من الطير والبهائم والمأكولات والأرَضين ، وذم أجناس منها ، كمدح الحمام والبلبل والقنبر والحجل والدراج وما شاكل ذلك من فصيحات الطير ، وذم الفواخت والرخم ، وما يحكى من أنّ كلّ جنس من هذه الأجناس المحمودة ينطق بثناء على اللَّه تعالى وعلى أوليائه ، ودعاء لهم ، ودعاء على أعدائهم ، وأنّ كلّ جنس من هذه الأجناس المذمومة ينطق بضدّ ذلك من ذم الأولياء عليهم السلام كذم الجرّي وما شاكله من السمك ، وما نطق به الجريّ من أنّه مسخ بجحده الولاية ، وورود الآثار بتحريمه لذلك ، وكذم الدبّ والقرد والفيل وسائر المسوخ المحرّمة ، وكذم البطيخة الّتي كسرها أمير المؤمنين عليه السلام فصادفها مرّة فقال : « من النار إلى النار » ، ورمى بها من يده ، ففار من الموضع الّذي سقطت فيه
هامش
( 1 ) . جوابات المسائل الرازية : ص 113 - 115 ( رسائل الشريف المرتضى ، المجموعة الأولى ) .