كِتابِ اللَّهِ المُنزَلِ ؟ فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ : لِأَنّي وَجَدتُ الكِتابَ يُكَذِّبُ بَعضُهُ بَعضاً وَيَنقُضُ بَعضُهُ بَعضاً ! قالَ : فَهاتِ الَّذي شَكَكتَ فيهِ ، فَقالَ : لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ :
« يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً »
« 1 » ، وَيَقُولُ حَيثُ استُنطِقُوا ، قالَ اللَّهُ :
« وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ »
، ويقول :
« يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً »
، وَيَقُولُ :
« إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ »
، وَيَقُولُ
« لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ »
، وَيَقُولُ :
« الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ »
، فَمَرَّةً يَتَكَلَّمونَ ، وَمَرَّةً لا يَتَكَلَّمُونَ ، وَمَرَّةً يُنطِقُ الجُلودَ وَالْأَيْدِيَ وَالْأَرْجُلَ ، وَمَرَّةً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً ، فَأَنّى ذلِكَ يا أَميرَ المُؤمِنينَ ؟
فَقالَ لَهُ عليه السلام : إِنَّ ذلِكَ لَيسَ في مَوطِنٍ واحِدٍ ، وهِيَ في مَواطِنَ في ذلِكَ اليَومِ الَّذي مِقدارُهُ خَمسونَ أَلفَ سَنَةٍ ، فَجَمَعَ اللَّهُ الخَلائِقَ في ذلِكَ اليَومِ في مَوطِنٍ يَتَعارَفونَ فيهِ ، فَيُكَلِّمُ بَعضُهُم بَعضاً وَيَستَغفِرُ بَعضُهُم لِبَعضٍ ، اولئِكَ الَّذينَ بَدَت مِنهُم الطّاعَةُ مِنَ الرُّسُلِ وَالْأَتْباعِ ، وَتَعاوَنوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوى في دارِ الدُّنْيا . وَيَلْعَنُ أَهْلُ المَعاصي بَعضُهم بَعضاً مِنَ الَّذينَ بَدَت مِنهُمُ المَعاصي في دارِ الدُّنيا ، وَتَعاوَنوا عَلَى الظُّلمِ وَالعُدوانِ في دارِ الدُّنيا ، وَالمُستَكبِرُونَ مِنهُم ، وَالمُستَضعَفُونَ يَلعَنُ بَعضُهُم بَعضاً وَيُكَفِّرُ بَعضُهُم بَعضاً .
ثُمَّ يُجمَعُونَ في مَوطِنٍ يَفِرُّ بَعضُهُم مِن بَعضٍ ، وَذلِكَ قَولُهُ
« يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ »
إِذا تَعاوَنوا عَلَى الظُّلمِ وَالعُدوانِ في دارِ الدُّنيا
« لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ »
.
ثُمَّ يُجمَعونَ في مَوطِنٍ يَبكُونَ فيهِ ، فَلَو أَنَّ تِلكَ الْأَصْواتَ بَدَتْ لِأَهْلِ الدُّنْيا
هامش
( 1 ) . النبأ : 38 .