تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجنة والنار في الكتاب والسنة — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
ذلك لأنّ عقوبة الآخرة هي نفس العمل في الدنيا وليست شيئاً منفصلًا عن العمل . على هذا الأساس يمكن القول بأنّه لا ريب في أنّ بعض العقوبات الاخرويّة هي أمور تكوينيّة ناجمة عن أفعال الإنسان القبيحة أو أنّها تجسّم لتلك الأفعال ، ففي هذا القسم من العقوبات الأخروية لا معنى لطرح شبهة عدم تناسب العقوبة مع المعصية والمخالفة ، فإنّها نظير العقوبات التكوينيّة الدنيويّة . والسؤال المطروح هو : هل إنّ العقوبات الاخرويّة هي بأجمعها تكوينيّة ، أم أنّ بعضها تابع للتباني والاتّفاق ؟ يبدو في النظر أنّه لا يوجد دليل قاطع ينفي وجود عقوبات تابعة للتباني والاتّفاق . والحكمة من أمثال هذه العقوبات الجزائيّة هي أنّ لها آثاراً تربوية في عالم الدنيا ؛ ذلك أنّ الاعتقاد بوجود عقابٍ شديد على الأفعال القبيحة - بل احتماله - يكون رادعاً للإنسان للإتيان بها ، وكما ورد في الرواية : خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَهَنَّمَ مِن فَضلِ رَحمَتِهِ سَوطاً يَسوقُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ إلى الجَنَّةِ . « 1 » والنقطة الحائزة للأهمّيّة والجديرة بالالتفات فيما يتعلّق بتناسب معصية اللَّه سبحانه والعقوبة الاخرويّة ، هي أنّ عصيان الإنسان للمنعم الذي نعماؤه جزيلة وغير متناهية ، يكون بحكم العقل ذا قبح عظيم جدّاً ، ويوجب أشدّ العقوبة ، ويرشد إلى ذلك ما قاله الإمام زين العابدين عليه السلام في بعض أدعيته ، حيث جاء فيه : يا إلهي ! لَو بَكَيتُ إلَيكَ حَتّى تَسقُطَ أشفارُ عَينَيَّ ، وَانتَحَبتُ حَتّى يَنقَطِعَ صَوتي ، وقُمتُ لَكَ حَتّى تَنتَشِرَ قَدَمايَ ، ورَكَعتُ لَكَ حَتّى يَنخَلِعَ صُلبي ، وسَجَدتُ لَكَ حَتّى تَتَفَقَّأَ حَدَقَتايَ ، وأَكَلتُ تُرابَ الأَرضِ طولَ عُمُري ، وشَرِبتُ ماءَ الرَّمادِ آخِرَ دَهري ، وذَكَرتُكَ في خِلالِ ذلِكَ حَتّى يَكِلَّ لِساني ، ثُمَّ لَم أرفَع طَرفي إلى آفاقِ السَّماءِ
هامش
( 1 ) . راجع : ص 467 ح 1151
الجنة والنار في الكتاب والسنة — صفحة 434 | محمد الريشهري