لغةً هو الخيار ؛ قال ابن منظور في هذا المجال : « القِثّاء : الخيار ، الواحدة قِثّاءة » . « 1 » ولا ريب أنّ نبذ الخيار للناس لا يوجب محبّتهم له ، فالجواب غير منسجم مع السؤال ، وهو ممّا يكشف عن وقوع التصحيف والخلل في نقل الحديث . وإذا ما راجعنا الحديث في المصادر الأُخرى وجدناه في كنز العمّال كالتالي :
245 . 2 ) عن مجاهد : إِنَّ رَجُلًا جاءَ النَّبيَّ صلى الله عليه وآله فَقالَ : يا رَسولَ اللَّهِ ، دُلَّني عَلى عَمَلٍ يُحِبُّني اللَّهُ تَعالى عَلَيهِ وَيُحِبُّني النّاسُ عَلَيهِ . فَقالَ :
أَمّا ما يُحِبُّكَ اللَّهُ عَلَيهِ فالزُّهدُ في الدُّنيا ، وَأَمّا ما يُحِبُّكَ النّاسُ عَلَيهِ فانبِذ إِلَيهِم هَذا الغُثاءَ . « 2 »
فالعبارة الأخيرة منه هي « فانبذ إليهم هذا الغُثاء » ، و « الغُثاء » لغةً هو :
ما يَحملِهُ السَّيلُ من القَمَشِ ، وكذلك الغُثّاءُ بالتشديد ، وهو أَيضاً الزَّبَد والقَذَر .
وحَدَّه الزجّاج فقال : الغُثاءُ الهالِكُ البالي من ورق الشجر الّذي إِذا خَرَجَ السيلُ رأيته مخالِطاً زَبَدَه . « 3 » وهذا منسجم مع السؤال المذكور في الحديث ، فإنّ الغثاء كناية عن الدنيا وتفاهتها ؛ أيانبذ إلى الناس هذه الدنيا واتركها لهم ؛ فإنّ ترك الدنيا وعدم نزاع الآخرين عليها موجب لمحبّتهم للشخص ، فإنّ أغلب النزاعات أو جميعها تدور حول محور الدنيا ؛ من المال ، والجاه ، والمنصب ، والنساء ، والواقع الخارجي يشهد لما ذكرناه .
ويؤيّد ذلك أيضاً ما روي في تأريخ بغداد عن ربعي بن خراش قال :
246 . جاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبيِّ صلى الله عليه وآله فَقالَ : يا رَسولَ ، اللَّهِ دُلَّني عَلى عَمَلٍ يُحِبُّني اللَّهُ عَلَيهِ وَيُحِبُّني النّاسُ . فَقالَ :
إِذا أَردَتَ أَن يُحِبَّك اللَّهُ فَأَبغِض الدُّنيا ، وَإِذا أَردَتَ أَن يُحِبُّكَ النّاسُ فَما كانَ عِندَكَ مِن فُضولِها فانبِذهُ إلَيهِم . « 4 »
هامش
( 1 ) . انظر : لسان العرب : ج 1 ص 128 « قثأ » .
( 2 ) . كنز العمّال : ج 3 ص 224 ح 6263 .
( 3 ) . لسان العرب : ج 15 ص 116 « غثا » .
( 4 ) . تاريخ بغداد : ج 7 ص 270 ، البداية والنهاية : ج 10 ص 137 .