تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح العلوم — صفحة 619

مساهمون:

ص٦١٩
العادة على مجرى كلام الأوساط ، فيتفق أن يأتي موزونا . وعند آخرين : أن ذاك ليس بواجب ، لكن يلزمه أن يعد كل لافظ في الدنيا شاعرا إذ ما من لافظ - إن تتبعت - إلا وجدت في ألفاظه ما يكون على الوزن ، أو ما ترى إذا قيل لباذنجاني : خ خ بكم [ تبع ] « 1 » ألف باذنجانة ؟ فقال : خ خ أبيعها بعشرة عدليات . كيف تجد القولين على الوزن ؟ أو إذا قيل لنجار : خ خ هل تم ذاك الكرسي ؟ فقال : خ خ نعم ، فرغت منه يوم الجمعة ، كيف تجد الأول في الأوزان والثاني أيضا ؟ وعلى هذا إذا قيل لجماعة : خ خ من جاءكم يوم الأحد ؟ فقالوا : خ خ زيد بن عمرو بن أسد . وتسمية كل لافظ شاعرا مما لا يرتكبه عاقل عنده إنصاف ، فالصحيح هو الرأي الأول ، لا يقال : فيلزم أن يجوز فيمن قال قصيدة أو قطعة أن لا يسمى شاعرا بناء على تجويز أن لا يكون تعمد ذلك ، وامتناعه ظاهرا ، فالواجب هو أن العقل يصحح الاتفاق في القليل دون الكثير ، وإلا فسد عليك الإسلام في مواضع . فلا تمار . والمروي عن النبي عليه السّلام أنه قال : خ خ من قال ثلاثة أبيات فهو شاعر ، شاهد صدق لما ذكرنا ، لإفادته أنه يمتنع تجويز عدم التعمد بالأبيات الثلاثة ، فلا بد من كونها شعرا ، ومن كون قائلها شاعرا من تعمد ، دون قائل الأقل . فالشعر إذن : هو القول الموزون وزنا عن تعمد ، وأرى أن شيخنا الحاتمي ذلك الإمام في أنواع من الغرر ، الذي لم يسمع بمثله في الأولين ، ولن يسمع به في الآخرين ، كساه اللّه حلل الرضوان ، وأسكنه حلل الروح والريحان ، كان يرى هذا الرأي . والرأي الأول حقه إذا سمي شعرا أن يسمى مجازا ؛ لمشابهته الشعر في الوزن ، ومذهب الإمام أبي إسحاق الزجاج في الشعر هو : أن لا بد من أن يكون الوزن من الأوزان التي عليها أشعار العرب ، وإلا فلا يكون شعرا ، ولا أدري أحدا تبعه في مذهبه هذا .
هامش
( 1 ) أصلها تبيع ، ولكنه راعى فيها الوزن فحذفها تخفيفا .
مفتاح العلوم — صفحة 619 | عبد الحميد هنداوي / يوسف بن أبي بكر السكاكي