تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح العلوم — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
كأنّ انتضاء البدر من تحت غيمه . . . * نجاء من البأساء بعد وقوع
فإنه لما رأى العادة جارية أن يشبه المتخلص من البأساء بالبدر الذي ينحسر عنه الغمام ، قلب التشبيه ليرى أن صورة النجاء من البأساء ، لكونها مطلوبة فوق كل مطلوب ، أعرف عند الإنسان من صورة انتضاء البدر من تحت غيمه ، فشبه هذه بتلك ، وكقوله « 1 » :
وأرض كأخلاق الكرام قطعتها . . . * وقد كحل اللّيل السّماك فأبصرا
فإنه لما رأى استمرار وصف الأخلاق بالضيق وبالسعة ، تعمد تشبيه الأرض الواسعة بخلق الكريم ، ادعاء أنه في تأدية معنى السعة أكمل من الأرض المتباعدة الأطراف . ومن الأمثلة ما يحكيه جل وعلا عن مستحلّ الربا من قولهم :
إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا
« 2 » في مقام : إنما الربا مثل البيع ؛ لأن الكلام في الربا لا في البيع ؛ ذهابا منهم إلى جعل الربا في باب الحل أقوى حالا وأعرف من البيع ، ومن الأمثلة ما قال تعالى :
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ
« 3 » لمزيد التوبيخ فيه دون أن يقول : أفمن لا يخلق كمن يخلق ، مع اقتضاء المقام بظاهره إياه ؛ لكونه إلزاما للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة ، تشبيها باللّه تعالى ، فقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق . وعندي أن الذي تقتضيه البلاغة القرآنية هو أن يكون المراد ( بمن لا يخلق ) : الحي العالم القادر من الخلق لا الأصنام ، وأن يكون الإنكار موجها إلى توهم تشبيه الحي
هامش
( 1 ) أورده عبد القاهر الجرجاني في أسرار البلاغة ص 187 وعزاه لابن بابك . السّماك : نجم معروف ، وهما سماكان : رامح وأعزل . والرامح : لانوء له وهو إلى جهة الشمال ، والأعزل : من كواكب الأنواء وهو إلى جهة الجنوب . ( 2 ) سورة البقرة 275 . ( 3 ) سورة النحل الآية : 17 .