فتجعل النفي عامّا ؛ ليتناول كل شاعر يعتقد ممن عدا زيدا ، والفرق بين قصر الموصوف على الصفة وقصر الصفة على الموصوف واضح ، فإن الموصوف في الأول لا يمتنع أن يشاركه غيره في الوصف ، ويمتنع في الثاني ، وأن الوصف في الثاني يمتنع أن يكون لغير الموصوف ، ولا يمتنع في الأول .
وثانيها النفي والاستثناء ، كما تقول في قصر الموصوف على الصفة ، إفرادا أو قلبا :
ليس زيد إلا شاعرا ، أو ما زيد إلا شاعر ، أو إن زيد إلا شاعرا ، وما زيد إلا قائم ، أو ما زيد إلا يقوم ؛ ومن الوارد في التنزيل على قصر الإفراد قوله تعالى :
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ
« 1 » فمعناه : محمد مقصور على الرسالة ، لا يتجاوزها إلى البعد عن الهلاك ، نزل المخاطبون لاستعظامهم أن لا يبقى لهم منزلة المبعدين لهلاكه ، وهو من إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر ؛ وقوله تعالى :
إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي
« 2 » فمعناه :
حسابهم مقصور على الاتصاف ب
" عَلى رَبِّي "
لا يتجاوزه إلى أن يتصف بعلى ، وقوله
وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ
« 3 » فمعناه : أنا مقصور على النذارة ، لا أتخطاها إلى طرد المؤمنين ، وقوله تعالى :
وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ
« 4 » فالمراد : لستم في دعواكم للرسالة عندنا بين الصدق وبين الكذب ، كما يكون ظاهر حال المدعي إذا ادعى ، بل أنتم عندنا مقصورون على الكذب ، لا تتجاوزونه إلى حق كما تدعونه ، وما معكم من الرحمن منزل في شأن رسالتكم .
ومن الوارد على قصر القلب قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السّلام :
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
« 5 » لأنه قاله في مقام اشتمل على معنى إنك يا
هامش
( 1 ) سورة آل عمران الآية 144 .
( 2 ) سورة الشعراء الآية 113 .
( 3 ) سورة الشعراء الآيتان 114 - 115 .
( 4 ) سورة يس الآية 15 .
( 5 ) سورة المائدة الآية 117 .