تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح العلوم — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
يفسر الحمل بمنع الأمانة والغدر ، وأريد التفسير الثاني ، وهو تحمل التكليف ؛ كان أصل الكلام : وحملها الإنسان ، ثم خاس « 1 » به ، منبها عليه بقوله : ( إنه كان ظلوما جهولا ) ، الذي هو توبيخ للإنسان على ما هو عليه من الظلم والجهل في الغالب ، وقوله :
أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً
« 2 » تتمته : ذهبت نفسك عليهم حسرة ، فحذفت لدلالة :
فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ
« 4 » أو تتمته : كمن هداه اللّه ، فحذفت لدلالة :
فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
« 4 » وقول العرب : جاء بعد اللتيا والتي ، بترك صلة الموصول ؛ إيثار للإيجاز ؛ تنبيها على أن المشار إليها : باللتيا والتي ، وهي : المحنة والشدائد ، بلغت من شدتها وفظاعة شأنها مبلغا يبهت الواصف معها ، حتى لا يحير ببنت شفة . ومن الإيجاز قوله عز قائلا :
قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ
« 3 » أي : بما لا ثبوت له ، ولا علم اللّه متعلق به ، نفيا للملزوم ، وهو المنبأ به بنفي لازمه ، وهو وجوب كونه معلوما للعالم الذات ، لو كان له ثبوت بأي اعتبار كان ، وقوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
« 4 » أصله : لن يتوبوا ، فلن يكون قبول توبة ، فأوثر الإيجاز ؛ ذهابا إلى انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم ، وهو قبول التوبة الواجب في حكمته ، تعالى وتقدس ، وقوله :
بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً
« 5 » أي : شركاء لا ثبوت لها أصلا ، ولا أنزل اللّه بإشراكها حجة ، أي تلك ، وإنزال الحجة كلاهما منتف في أسلوب قوله « 6 » :
هامش
( 1 ) خاس به : نقضه . ( 2 ) سورة فاطر ، الآية 8 . ( 3 ) سورة يونس الآية 18 . ( 4 ) سورة آل عمران الآية 90 . ( 5 ) سورة آل عمران ، الآية 151 . ( 6 ) أورده القزويني في الإيضاح ص ( 289 ) وعزاه لامرئ القيس وذكر بقيه البيت [ إذا ساقه العود النباطى جرجرا ] ، وبدر الدين بن مالك في المصباح ص ( 75 ) واللّاحب : الطريق الواضح .
مفتاح العلوم — صفحة 391 | عبد الحميد هنداوي / يوسف بن أبي بكر السكاكي