تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح العلوم — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
كيف تصنع ؟ تحول عن الجاني وجهك ، [ وتأخذ في الشكاية عنه إلى صاحبك ] « 1 » ، تبثه الشكوى معددا جناياته واحدة فواحدة ، وأنت فيما بين ذلك واجد مزاجك يحمى على تزايد ، يحرك حالة لك غضبية تدعوك إلى أن تواثب ذلك الجاني وتشافهه بكل سوء ، وأنت لا تجيب ، إلى أن تغلب ، فتقطع الحديث مع الصاحب ، ومباثتك إياه ، وترجع إلى الجاني مشافها له : باللّه ، قل لي : هل عامل أحد مثل هذه المعاملة ؟ [ هل يتصور معاملة أسوأ مما فعلت ؟ ] « 2 » أما كان لك حياء يمنعك ؟ أما كانت لك مروءة تردعك [ عن ] « 3 » هذا ؟ وإذا كان الحاضر لمجلسكما ذا نعم عليك كثيرة ، فإذا أخذت في تعديد نعمه عند صاحبك ، مستحضرا لتفاصيلها ، أحسست من نفسك بحالة كأنها تطالبك بالإقبال على منعمك ، وتزين لك ذلك ، ولا تزال تتزايد ما دمت في تعداد نعمه ، حتى تحملك من حيث لا تدري على أن تجدك ، وأنت معه في الكلام ، تثني عليه ، وتدعو له وتقول : بأي لسان أشكر صنائعك الروائع ؟ وبأية عبارة أحصر عوارفك الذوارف ؟ وما جرى ذلك المجرى . وإذا وعيت ما قصصته عليك ، وتأملت الالتفات في :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ،
بعد تلاوتك لما قبله من قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
على الوجه الذي يجب وهو : التأمل القلبي ، علمت ما موقعه ، وكيف أصاب المحز ، وطبق مفصل البلاغة ؛ لكونه منبها على أن العبد المنعم عليه بتلك النعم العظام الفائتة للحصر ، إذا قدر أنه ماثل بين يدي مولاه ، من حقه إذا أخذ في القراءة أن تكون قراءته على وجه يجد معها من نفسه شبه محرك إلى الإقبال على من يحمد ، صائر في أثناء القراءة إلى حالة شبيهة بإيجاب ذلك عند ختم الصفات ، مستدعية انطباقها على المنزل على ما هو عليه ، وإلّا لم تكن قارئا .
هامش
( 1 ) من ( ط ) و ( د ) . ( 2 ) ليست في ( غ ) . ( 3 ) في ( ط ) و ( د ) : ( على ) .