عن الآلات إلى المبدإ ، لا بالكلية ، بل ينبعث منه شيء يسير إليها . والسبب الغائي للنّوم أمران :
أحدهما : اجتماع الروح الحيواني في الباطن طلبا للاستراحة ، فإنّ الروح ، جسم لطيف أسهل تحلّلا من البدن الذي هو قشره وغلافه ، فلو استمرت اليقظة لتحلل بالكلية ، لأنّ الحس والحركة إنّما يتمّان بحركة الرّوح ، والحركة محلّلة لجوهره ، فيجتمع في المنبع [ 6 ] ، حتى يصلح وينمو وينال بدل ما تحلّل منه في اليقظة .
وثانيهما : تجويد هضم الغذاء . فإن اشتغال النّفس [ 7 ] في اليقظة بالأفعال ممّا يمنعه عن تجويد الهضم [ 8 ] ، ثمّ إنّه عند ذلك تجتمع الرطوبات التي تتحلّل في اليقظة ، وترتفع إلى الدّماغ أبخرة عذبة ، فتسترخي بها الأعصاب ، وينطبق بعض أجزائها على بعض ، ويمنع نفوذ الرّوح إلى الظاهر . وكثافة الأبخرة أيضا مانعة ، كما في نفوذ شعاع النيّر . وأيضا تختلط الأبخرة بالأرواح ، فتغلّظ وتبلّد عن النّفوذ في المسالك .
وإليه أشرنا بقولنا : النّوم حبس الرّوح البخاري في الدّماغ ، أي في تجاويفه ، وإن أطلق الدماغ [ 9 ] كثيرا على نفس التجاويف من نشئيّة [ 10 ] حصر الرّطوبات له ، أي
هامش
[ 6 ] كما هو معلوم بالوجدان للمتنبّه من النوم أنه أقوى وأذكى وأنمى .
[ 7 ] إذ لا مؤثر في هذه الصيصية التي هي أم القرى والسواد الأعظم ، إلّا النفس بحول اللَّه وقوته ولا شأن للقوى ، إلّا وفيه شأنها وهي مستخدمة للطبيعة . وقد مر أن جميع أصناف الفاعل الثمانية متحققة في النفس الإنسانية حتى الفاعل بالطبع وبالقسر .
[ 8 ] وذلك لأن جميع القوى من شؤونها فإذا كانت النفس في اليقظة مشتغلة بأفعالها سيما الأفعال الصعبة العلمية كانت قواها كلها لها تابعة منصرفة إليها ، وهذا الكلام لا ينافي كونها مظهرا لمن لا يشغله شأن عن شأن ، فتدبّر . ( ح . ح )
[ 9 ] فحينئذ لا حاجة إلى حذف المضاف ، فالدماغ قد يطلق على الجرم اللزج المعروف . وقد يطلق على نفس التجاويف . وقد يطلق على الروح البخاري الذي فيها .
[ 10 ] أي كلمة من الخافضة نشئية لا بيانيّة . ( ح . ح )