تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الدماميني على مغني اللبيب — صفحة 13

مساهمون:

ص١٣
فإنّ أولى ما تقترحه القرائح ، وأعلى ما تجنح إلى تحصيله الجوانح ، ما يتيسّر به فهم كتاب اللّه المنزل ، ويتّضح به معنى حديث نبيّه المرسل ،
شرح
( فإن أولى ما تقترحه القرائح وأعلى ما تجنح إلى تحصيله الجوانح ) . أولى إما بمعنى أحق تقول فلان أولى بكذا ، أي : أحق به ، قال الجوهري : وفلان أحق بكذا ، أي أحرى به وأجدر ، وإما بمعنى أقرب من الولي وهو القرب والدنو ، وتقترحه تسأله من غير روية ، وهو دليل على الشغف البليغ . والقرائح جمع القريحة ، وهي الطبيعة ، قال الجوهري : القريحة أوّل ماء يستنبط من البئر ، ومنه قولهم لفلان قريحة جيدة يراد استنباط العلم بجودة الطبع . وتجنح : تميل ، يقال : جنح يجنح بفتح النون في الماضي والمضارع ، وتحصيل الشيء رده إلى حاصله ، والجوانح الأضلاع التي تحت الترائب وهي مما يلي الصدر ، كالضلوع مما يلي الظهر ، والواحدة جانحة ، وأطلقت هنا على القلوب مجازا مرسلا والعلاقة المجاورة . وفي تقترحه القرائح جناس الاشتقاق ، أو ما يشبهه ، وكذا في تجنح الجوانح ، وفي قوله : أولى وأعلى الجناس اللاحق ، ويجوز ضبط كل من تقترحه وتجنح بالمثناة الفوقية والتحتية ؛ إذا المسند إليه مؤنث غير حقيقي ، لكن الأولى ضبطه بالتحتية فيما يظهر من كلام الجماعة لوجود الفاصلة ، نحو : فمن جاءه موعظة ، وأنا أقول قد تتبعت الواقع من ذلك في القرآن العزيز ، فوجدت المواضع التي لم تلحق فيها علامة التأنيث نحو : خمسين موضعا ، ووجدت الأماكن التي لحقت فيها العلامة تزيد على مائتي مكان منها ، قوله تعالى :فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً[ البقرة : 60 ] وقوله :وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ،[ البقرة : 61 ] وقوله :الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ[ البقرة : 156 ] وقوله :وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ[ البقرة : 166 ] إلى غير ذلك مما يطول استقصاؤه ، وأكثرية أحد الاستعمالين دليل أفصحيته ، فالأولى عندي ضبط ذلك وأمثاله بالمثناة الفوقية . ( ما يتيسر به فهم كتاب اللّه تعالى المنزل ويتضح به معنى حديث نبيه المرسل ) يتيسر ، أي : يسهل . ويتضح ، أي : يتبين ، ويظهر . والمعنى في الأصل مصدر تقول : عني زيد بلفظة كذا عناية ، ومعنى ، ومعناة ، ثم يستعمل مرادا به المفعول ، أي : المعني بتشديد الياء ، كما في قولهم : هذا الثوب نسج فلان ، أي منسوجه .
هامش
- وأخرجه الطبراني في الأوسط 3 / 338 ، وفي الصغير 1 / 199 ، والديلمي في مسند الفردوس ( 1692 ) 1 / 418 .