Skip to main content

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — Page 432

Contributors:

P.432
مطلع قصيدة لأبي الطّيّب ، والعذيب وبارق موضعان ، و - ما بين - ظرف للتّذكّر ، أو للمجر والمجرى اتّساعا في تقديم الظّرف على عامله المصدر أو - ما بين - مفعول تذكّرت ، ومجر بدل منه ، والمعنى أنّهم كانوا نزولا بين هذين الموضعين ، وكانوا يجرون الرّماح عند مطاردة الفرسان ، ويسابقون على الخيل ، فالشّاعر الثّاني أراد بالعذيب تصغير العذب ، يعني شفة الحبيبة ، وببارق ثغرها التّشبيه بالبرق ، وبما بينهما ريقها ، وهذا توريّة ، وشبه تبختر قدّها بتمائل الرّمح ، وتتابع دموعه بجريان الخيل السّوابق ، [ ولا يضرّ ] في التّضمين [ التّغيير اليسير ] لما قصد تضمينه ، ليدخل في معنى الكلام ، وكقول الشّاعر في يهودي به داء الثّعلب ( 1 ) :
أقول لمعشر غلطوا وغضوا * من الشّيخ الرّشيد وأنكروه هو ابن جلا وطلاع الثّنايا * متى يضع العمامة تعرفوه ( 2 )
البيت لسحيم بن وثيل ، وهو - أنا ابن جلا - على طريقة التّكلّم ، فغيّره إلى طريقة الغيبة ، ليدخل في المقصود [ وربّما سمّي تضمين البيت فما زاد ] على البيت ( 3 ) ،
Commentary
وأخذ هذا الشّاعر المصراع الأوّل منه ، وجعله مصراعا ثانيا لبيته الأوّل ، وأخذ المصراع الثّاني منه ، وجعله مصراعا ثانيا لبيته الثّاني ، فاشتمل كلّ من المصراعين على التّوريّة والتّشبيه ، حيثما يأتي في كلام التفتازاني حيث أراد أبو الطّيّب من ( العذيب وبارق ) معنييهما القريبين ، أي الموضعين المعروفين فهذا الشّاعر أراد في تضمينه بالعذيب وبارق معنييهما البعيدين ، لأنّه جعل العذيب تصغيرا للعذب ، وعنى به شفة الحبيبة ، وببارق ثغرها الشّبيه بالبرق ، وبما بينهما ريقها ، وشبّه تبختر قدّها بتمايل الرّمح ، وجريان دمعة الشّاعر بجريان الخيل السّوابق ، فزاد هذا الشّاعر أبي الطّيّب بهذه النّكتة ، أي التّوريّة والتّشبيه ، فصار أحسن . ( 1 ) هو مرض يسقط الشّعر من الرّأس فيصير أقرع . ( 2 ) هما لضياء الدّين موسى بن ملهم ، الكاتب من شعراء الدّولة العباسيّة ، واليهودي هو الرّشيد عمر الفوّي ، و « غضّوا » مأخوذ من غضّ البصر . وحاصل المراد : أنّ النّاس غلّطوا ، ولم يعرفوا هذا اليهودي الأقرع الّذي أظهر رأسه الّذي لا شعر عليه ليعرفوه . وأمّا الشّاهد في قول سحيم فبيّنه التفتازاني بقوله : « فغيّره » سحيم إلى طريق الغيبة ليدخل في المقصود ، وقد كان في الأصل بطريق التّكلّم ، في : أنا وأضع . ( 3 ) كتضمين بيتين أو أكثر استعانة .