دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحه 344
غيّبت ( 1 ) حبيبا تحت تلك الرّبا ، فهي تبكي عليها ( 2 ) . [ ومنه ، أي ومن المعنوي التّفريع ( 3 ) وهو ( 4 ) أن يثبت لمتعلّق أمر حكم بعد إثباته ] أي إثباته ذلك الحكم [ لمتعلّق له آخر ] على وجه يشعر بالتّفريع والتّعقيب ، وهو احتراز عن نحو : غلام زيد راكب وأبوه راكب [ كقوله : أحلامكم ( 5 ) لسقام الجهل ( 6 ) شافية * كما دماؤكم تشفي من الكلب ( 7 ) ( 1 ) أي دفنت حبيبا تحت الرّبا ، فكأنّ الرّبا قبره ، والسّحاب تبكي عليه . والحاصل إنّ الشّاعر يقول : أظنّ أو أشكّ أنّ السّحاب غيّبت حبيبا تحت الرّبا ، فمن أجل ذلك لا تنقطع دموعها ، فبكاؤها صفة عللتّ بدفن حبيب تحت الرّبا ، ولما أتى بكأنّ أفاد بأنّه لم يجزم بأنّ بكاءها لذلك التّغييب ، فقد ظهر أنّه علّل بكاءها على سبيل الشّكّ والظّنّ بتغييبها حبيبا تحت الرّبا . ( 2 ) أي على الرّبا لأجل الحبيب الّذي تحتها . وأمّا الشّاهد : فقد علّل على سبيل الشّكّ حيث قال : « كأنّ السّحاب الغر . . . » . [ التّفريع ] ( 3 ) وهو لغة جعل الشّيء فرعا لغيره . ( 4 ) أي التّفريع هنا أن يثبت لمتعلّق أمر حكم بعد إثبات ذلك الحكم لمتعلّق له آخر المراد من المتعلّق ما له نسبة وتعلّق يصحّ باعتبارها الإضافة ، كما في الأحلام والدّماء في البيت الآتي ، حيث صحّ إضافتهما إلى ضمير الجمع المراد به أهل البيت عليهم السّلام ، والمراد من الحكم المحكوم به كالشّفاء الّذي حكم به على الأحلام والدّماء ، فقد ظهر ممّا ذكرناه أنّه لا بدّ من التّفريع من تعلّقين منسوبين إلى أمر واحد كغلام زيد وأبوه ، فزيد أمر واحد ، وله متعلّقان منسوبان أحدهما غلامه ، والآخر أبوه ، ولا بدّ من حكم واحد يثبت لأحد المتعلّقين ، وهما الغلام والأب بعد إثباته لآخر ، كأن يقال : غلام زيد فرح ففرح أبوه ، فالفرح حكم أثبت لمتعلّقي زيد ، وهما غلامه وأبوه ، وإثباته للثّاني على وجه يشعر بتفريع الثّاني على الأوّل ، وكقول الكميت في قصيدة يمدح بها أهل البيت عليهم السّلام . ( 5 ) جمع حلم ، كفعل بمعنى العقل ، لا حلم كقفل ، بمعنى الرّؤيا . ( 6 ) وصف بالعلم التّام ، والعقل الكامل . ( 7 ) وصف بكونهم ملوكا وأشرافا ، والكلب على وزن فرس ، شبّه جنون يعرض للإنسان