تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
[ دراكا ( 1 ) ] أي متتابعا [ فلم ينضح بماء فيغسل ] مجزوم معطوف على ينضح ، أي لم يعرق فلم يغسل ( 2 ) ، ادّعى أنّ فرسه أدرك ثورا ونعجة في مضمار واحد ولم يعرق ، وهذا ممكن عقلا وعادة [ وإن كان ممكنا عقلا لا عادة ، فإغراق ( 3 ) ، كقوله ( 4 ) : ونكرم جارنا ما دام فينا ونتّبعه ] من الاتّباع ، أي نرسل [ الكرامة ] على أثره [ حيث ما لا ] أي سار ، وهذا ممكن عقلا لإعادة ، بل في زماننا يكاد يلحق بالممتنع عقلا ، إذ كلّ ممكن عادة ممكن عقلا .
شرح
وحاصل المعنى أنه وإلى ذلك الفرس في شوط واحد بين ثور ونعجة ، أراد بالثّور الذّكر من بقر الوحش ، وبالنّعجة الأنثى منها ، أي وإلى ذلك الفرس بين هذين الصّيدين ، أي جرح أحدهما على أثر الآخر في شوط واحد أي إذا ألقى أحدهما على وجه الأرض أثر الآخر في شوط واحد من غير أن يتخلّله وقفة لراحة ونحوهما . ( 1 ) بكسر الدّال على وزن كتاب ، أي متتابعا ، وهو تأكيد لقوله : ( عداء ) لأنّ التّتابع والموالاة بمعنى واحد . ( 2 ) يحتمل أنّه أراد بالغسل المنفي غسل العرق ، فيكون تأكيد نفي العرق ، ويحتمل أنّه أراد به الغسل بالماء القراح ، أي لا يصبه وسخ العرق وأثره حتّى يحتاج للغسل بالماء القراح . والشّاهد في أنّه ادّعى أنّ هذا الفرس أدرك ثورا ونعجة وحشيين في مضمار ، أي في شوط واحد ، ولم يعرق ، وهذا ممكن عقلا وعادة ، وإن كان وجود ذلك الفرس في غاية النّدرة ، ومن ثمّ كانت مبالغة . ( 3 ) أي يسمّى إغراقا ، مأخوذ من قولهم : أغرق الفرس ، إذا استوفى الحدّ في جريه . ( 4 ) أي قول الشّاعر ، وهو عمرو بن الأيهم التّغلبي . والشّاهد في أنّه « ادّعى أنّ جاره لا يميل » أي لا يسافر ولا يبعد « عنه إلى جانب إلا وهو » أي المتكلّم يرسل الكرامة والعطاء على أثره ، وهذا ممكن عقلا ممتنع عادة . فقد ادّعى الشّاعر أنّهم يكرمون الجار في حالة كونه مقيما عندهم ، وفي حالة كونه مع غيرهم وارتحاله عنهم ، فالوصف المبالغ فيه كرمهم ، ولا شكّ أنّ إكرام الجار في حالة كونه مع الغير وارتحاله عنهم محال عادة ، حتّى أنّه يكاد أن يلتحق بالمحال عقلا في هذا الزّمان ، لانطباع النّفوس على الشّحّ .